الجزيرة توك تشد الرحال إلى المسجد الأقصى

صور من صلاة الجمعة في رحابه

هنادي قواسمي – الجزيرة توك – القدس المحتلة

في عادةٍ أسبوعيّة توجهتُ لأداء صلاة الجمعة في رحاب المسجد الأقصى المبارك، حيث يتناوب على إلقاء خطبة الجمعة أئمةٌ ثلاثة أو أربعة يتبادلون الأدوار فيما بينهم، وينقسم المصلون فيصلي الرجال في المسجد القبلي والساحات المتصلة به ، وتصلي النساء في مسجد قبة الصخرة وما يحيطه. خارج باب الملك فيصل الواقع شمال المسجد قابلني ثلاثة من رجال الشرطة الإسرائيلية المتواجدين هناك بدعوى “حراسة المكان”، يراقبون ملامح الداخل والخارج، ويرافقهم اثنان من الجنود مما يُسمّى “حرس الحدود”.

غالباً ما يتركون النساء تمر بسلام، لكن إذا مر بهم شابٌ أثارت لحيتُه أو منظرُهُ ريبتهم أوقفوه وسألوه عن بطاقة هويته فيسجلون رقمها، وربما يستدعونه لمقابلة مخابراتهم إذا لاحظوا أنّه مداومٌ على الصلاة في الأقصى . في الجمعة الفائتة كان لي نصيب من هذا التوقيف، إذ كنت أصوّر في سوق القطانين الأثري، و الذي دخلتُ من بابه حينها إلى الأقصى، فظنّ الشرطيًّ – والذي كان عربياً وقتها ! – أنني أصوّر الجنديَّ الواقفَ بقرب الباب ، الأمر الممنوع قانوناً كما يقولون، فاستدعاني وكلّمني بالانجليزية ظناً منه أنني لست من أهل هذه البلاد سائلاً إياي عن جوازي فأعطيته هويتي ليسجل اسمي ورقمي.

بحثتُ عن مكان استفيئ به من حرارة الشمس اللاهبة فوجدتُ بغيتي في زاوية جنوبية من زوايا ما يُسمى “سطوح الصخرة”. وبانتظار الأذان ومن ثم الخطبة والجماعة جلستُ مستندةً إلى حائطٍ هناك أتأملُ أمامي مُثَمّنَ الأضلاعِ بنور قبّته الذهبيّة المشع وسط سماء زرقاء صافية. تذكرتُ ما قاله لي مرشد سياحي قبل أيام أن كثيراً من علماء الآثار ومن غير المسلمين يعتبرون مسجد الصخرة أحد أجمل الأبنية الأثرية في العالم، والذي تساءل حينها : كيف يُخطط لهدم الجديد زمنياً والمتميز أثرياً للكشف عن قديم شرب عليه الدهر وأكل ؟

ورغم أنه رفيق المسجدين في مكة والمدينة بكونهم المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، إلا أن واقعه يختلف عن رفيقيْه اختلافاً كبيراً. في الكعبة أو مسجد المدينة تجتمع الألوان والعرقيات والجنسيات، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من جنوب إفريقيا إلى أقصى شمال أوروبا، أما هو فمُحرّمٌ عليه هذا التنوع، ولا ترتفع من قبابه إلا صلوات من يحمل بطاقة هوية تؤهله بذلك. يتحدث من سبقونا أن ساحات المسجد كانتْ في قديم عهد ليس ببعيد تمتلأ بالمصلين الوافدين إليه من مختلف مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، أما اليوم ، وبِفَضل الحواجز والجدار والتصاريح الأمنيّة، فقد أُقصِيَّ عنه محبوه وزائروه، فتقتصر صفوف المصلين على المقدسيين وأهالي مناطق الـ48، وقلة قليلة من العرب ممن تمنحهم “إسرائيل” تأشيرة دخول في حالات نادرة جداً. ما عدا ذلك فلا يطرق بابه أحدٌ إلا متطرفون يزعمون فيه حقاً يقتحمونه كلما شاءوا و يقيمون صلواتِهم في باحاته، كان آخرها يوم الأربعاء الماضي.

المصلون يتجمعون للصلاة

خطبة الجمعة
الشمسُ الآن في كبد السماء، فرُفع أذان الظهر، وابتدأ الخطبة الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية سابقاً، ورئيس الهيئة الاسلامية العليا حالياً. الجزء الأول من الخطبة خصصه لوعظ المسلمين بتقوى الله وعدم ظلم بعضهم البعض في رفع أجارات البيوت ، خاصة في ظل أزمة السكن في القدس الشرقية ، والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها عامة الشعب. أما جزءها الثاني فتطرق فيه الشيخ صبري إلى مواضيع عدة علت على الساحة الفلسطينية مؤخراً. كان منها تهنئة الناجحين في امتحانات الثانوية العامة “التوجيهي” التي أعلنت نتائجُها مؤخراً، داعياً أهالي الناجحين إلى عدم ازعاج الآخرين في احتفالهم.
وكما دوماً فلا بد أن للسياسة نصيبٌ في حديث منبر الأقصى، فندد الشيخ صبري بعزم السلطات الإسرائيلية تغيير أسماء المدن والقرى العربية على لافتات الطرق والاستبدال بها أسماء عبريّة يهوديّة، مُنّبهاً أن الحقائق لا تُطمس بهذا التغيير، وأن الاسم لا يثبت حقاً . أما الاستيطان فقال الشيخ صبري أنه من الخطورة الدعوة إلى “وقف الاستيطان”، لأن ذلك يعني الحفاظ على ما تم بناؤه حتى اللحظة، موّضحاً أن المطلوب كذلك “إزالة المستوطنات غير الشرعية”. وختم الشيخ صبري بالحديث عن الانتهاكات التي يتعرض لها الأقصى، منها اعتقال طاقم لجنة الاعمار التابعة للأوقاف بدعوى أنها “تقوم بترميمات دون إذن من الشرطة الإسرائيلية “. ولا بد أن نذكر أن هذه الحادثة وشبيهاتها تتكرر كثيراً في الأقصى، فأي نشاط لا ترضى عنه شرطة الاحتلال يُعرقل ويُحقق مع من يقف وراءه. خذ على سبيل المثال قيام مؤسسات طلابية من أهل الداخل الفلسطيني سنوياً بتنظيم فعاليات في ذكرى النكبة في باحات الأقصى، فتُعترَضُ جهودُهُم ويُمنع إدخال الطعام والأدوات اللازمة لهم. وفي ذكرى النكبة الأخيرة على سبيل المثال، تم اعتقال طالبتين واستفزاز بقية الطلاب باحتجازهم، حيث اشترطتْ الشرطة الاسرائيلية لاطلاق سراحهما أن يخرج كل الطلاب من المسجد الأقصى، في سياسة واضحة لتفريغ المسجد من أهله. وسياسة التجبر الاحتلالية لا تبقي صغيراً ولا كبيراً إلا وتتحكم به، ففي الأعياد تُمنع مؤسسات خيرية من توزيع الهدايا على الأطفال داخل محيط المسجد، فيُجبرون على الوقوف خارجه لتوزيعها. وفي نهاية خطبته دعا الشيخ صبري المصلين المسلمين إلى شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى أيام الأحد والاثنين والثلاثاء والرباط فيه لصد مخطط حاخامات يهود لاقتحام المسجد في تلك الايام حسبما أعلنوا في ذكرى خراب هيكلهم.


محمد حسين ، مفتي القدس، وعبد العظيم سلهب رئيس مجلس الأوقاف الإسلامية بعد الصلاة

انتهت الخطبة، ورفعت الإقامة، نادي الإمام بتسوية الصفوف وسد الفرج، صلى بالناس وهكذا قُضيت صلاة جمعة أخرى في ظلال الاحتلال.بعدها بدقائق معدودة رُفِعَتْ الإقامة مرة أخرى لصلاة العصر جمعاً وقصراً، وذلك لكثرةالمصلين من أهالي الداخل الفلسطيني الذين يأتون من قرى وبلدان بعيدة عن الأقصى فيجمعون الظهر والعصر. وقد تزايدت أعداد المصلين من أهالي الداخل في السنوات الأخيرة خاصة بعد اطلاق الشيخ رائد صلاح صرخته المعروفة ” الأقصى في خطر”، بالإضافة إلى تنظيم الحركة الاسلاميّة في الداخل ما أسمّته “مسيرة البيارق” التي تقل فيها عشرات الحافلات المصلين يومياً إلى الأقصى مجاناً. ويُعلق كثيرون على ذلك قائلين أنه “لولا زيارة أهل الداخل للأقصى لفرغ من المصلين”.


أفراد من الشرطة الإسرائيلية يتجولون في الساحات بعد انتهاء الصلاة


المصلون قافلون إلى بيوتهم بعد انتهاء الصلاة



بعد انتهاء الصلاة تلوح لكثيرين فرصة لقاء أحبتهم في رحاب المسجد، وآخرون ينطلقون إلى الأسواق لالتقاط حاجاتهم، وآخرون يقفلون عائدين إلى بيوتهم فيجتمعون مع الأهل على مائدة الغذاء.

أما أنا وعلى عتبات بابه كانت أسئلة بطعم العجز تتصارع في فكري : هل سيأتي يومٌ وأحرمُ فيه من صلاة هنا ؟ هل سيصحو المقدسيون يوماً على مسجد بقسمين : واحد للمسلمين، وآخر لليهود ؟ أم هل ستمنع الصلاة بتاتاً ؟ إلى متى ستبقى العروس بلا عرسٍ يدخل السرور على قلبها ؟ متى ستخطو على هذه الأرض أقدام أصحاب الهمم العاليّة يصلحون فيه الدين .. والدنيا ؟ وما دورنا نحن في صناعة الحياة على هذه الأرض المقدسة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s