في القدس المحتلة .. حينما يصبح "الشارع" بيتك !

الجزيرة توك تلتقي أفراداً من عائلتي الحنون والغاوي في الشيخ جراح

هنادي قواسمي – الجزيرة توك – القدس المحتلة


تحت شجرة زيتون مزروعة بطرف رصيفٍ في حيّ الشيخ جراح، هذا هو العنوان الجديد لعائلات حنون والغاوي. فبعد أناقتُلعت من بيوتها في حملة تهويدية متسارعة تحاول إخفاء معالم عروبة وإسلامية القدس، تقضي اليوم تلك العائلات ليلتها الثامنة على التوالي في الشارع. البيوت التي تم إخلاؤها ما هي إلا خطوة أولى نحو إخلاء بقية البيوت المحيطة فيها البالغ عددها ثمان وعشرون، ومكانها يُخطط لبناء وحدات سكنية استيطانية تصل غربي القدس بمنطقة الجامعة العبرية.


وعلى عكس ما يعرف عن الفجر أنه يقترن بالبشر والأمل، فإن فجر القدس لم يكن كذلك يوم الاحد الماضي. ففي الساعة الخامسة من فجر ذلك اليوم كان للفلسطينيين موعدٌ جديدٌ مع التهجير والإخلاء القسري. نادية حنوان، إحدى المهجرات قسراً من بيتها وأم لبنتين وولد، روت للجزيرة توك كيف أُخرجت من بيتها على يد قوات الاحتلال الاسرائيلية فقالت: ” منذ حوالي 15يوماً ونحن مداومون على السهر حتى الساعة الرابعة أو الخامسة فجراً تحسباً لاعتداءات المستوطنين أو الشرطة والجيش في أي وقت. في تلك الليلة، لم نتوقع أن يحصل شيء بعد الرابعة والنصف فقررنا الخلود للنوم، ومن ثم فؤجنا في الخامسة بصياح أولادي، كانت هناك قوات اسرائيلية خاصة تقوم بتكسير زجاج النوافذ في محاولة لدخول البيت بعد أن فشلوا بكسر الباب”.


تضيف نادية : ” قاموا باخراجنا بوحشية ظاهرة، كان يسحبوننا سحباً، شعرت أنني ككرة القدم أُرمى من شرطي لآخر، من شدة الوحشية تمزقت ملابس ابني وهم يدفعونه، عزلوا من كان معنا من المتضامنين الأجانب، و منعونا من أخذ أي شيء معنا، لم أستطع أن أحمل سوى بطاقة هويتي وأوراق المحكمة، لم يسمحوا لنا باستعمال الكاميرات أو الهواتف الخلوية، حاصروا المكان من الخامسة فجراً حتى الخامسة عصراً ، وحددوا مسافة مترين لا يسمحلنا بتجاوزها والاقتراب من البيوت”.


بمرارة تابعت نادية روايتها لتفاصيل ذلك اليوم، وقالت : ” أخت زوجي سيدة كبيرة عمرها 73 سنة وهي مريضة وقد خرجتلتوها من المشفى بعد عملية جراحية، ومع ذلك قاموا بدفعها بوحشية، ولم يمهلوها حتى لتلبس حجابها. و اثناء عملية الاخلاء فقدنا ابني البالغ من العمر 8 سنوات، ولم يسمحوا لنا بالبحث عنه، كما أنهم هددونا بالقتل إن لم نخرج من البيت، قاموا باستجلاب شركات خاصة بنقل المفروشات وأخرجوها من بيوتنا، كانت لحظات صعبة وبالكاد كنا ندرك ما يدور حولنا “.


تركت ورائي عائلة حنون لا يحميها من حرارة شمس آب إلا ظل زيتونة وتوجهتُ للعائلة المنكوبة الثانية، عائلة الغاوي. كانت الطريق إليهم مسدودة بحاجز للشرطة الإسرائيلية. أخفيت الكاميرا في حقيبتي وزعمتُ أنني في طريقي لزيارة صديقة تسكن في المنطقة حتى يسمح لي الشرطي الإسرائيلي بالمرور إلى حيث يجلس أفراد العائلة . على الرصيف المقابل لبيوتهم، وتحت خيمة تبرعبها الجيران وجدت بعضهم يجلسون . ميسون الغاوي وجدتُها جالسةً على فرشة متكئة على سور في الشارع، وفي حضنها ابنتها ابنة السنتين.ميسون تحدثت للجزيرة توك بغضب واضح فقالت : ” هذا بيتنا منذ أكثر من خمسين عاماً، بأي حق يستولون عليه؟!، نعيش في هذه البيوت سبعة عائلات بثمانية وثلاثين نفراً، أغلبنا نساء وأطفال، فأين نذهب الآن، عما قريب يبدأ رمضان وبعدها المدارس وبعدها يأتي الشتاء ، فما مصيرنا نحن !!؟”.


ميسون ، التي لجأت عائلتها بعد النكبة من قرية صرفند ، نبهت أن القضية ليست قضية عائلتها وعائلة حنون فحسب فقالت :” هذه ليست قضية خاصة بنا، بل هي قضية عامة، هي قضية تهويد القدسوتشريد أهلها، إذا وضع اليهود لهم قدماً هنا، لن يبقى للعرب شيءٌ في القدس “.


وبعد اخلاء بيوت عائلات حنون والغاوي وبوقت قصير استولت عائلات مستوطنين على البيوت وهي مقيمة فيها منذ أسبوع تحت حراسة يومية من قوات الشرطة الإسرائيلية. أما أصحاب البيوت الأصليين فيقضون ليلهم ونهارهم في الشارع، يشترون زجاجات الماء ويضعونها لتبرد في ثلاجات الجيران يرون بها عطشهم. أما غداؤهم، فيتبرع بعض أهالي الحي بتقديمه لهم يومياً.


أما بداية القصة فتعود لعام 1956، عندما كانت شرقي القدس تحت حكم الأردن، إذ قامت الحكومة الأردنية آنذاكبالاتفاق مع وكالة اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بإسكان لاجئين فلسطينيين في بيوت في الشيخ جراح. وكان الاتفاق ينص على أن يدفع المستأجرون أجرة رمزية تبلغ خمسة قروش لمدة ثلاث سنوات، ومن ثم تنتقل ملكية البيوت لهم، وذلك مقابل تنازلهم عن الخدمات الصحية والتعليمة والغذائية المقدمة من الأونروا.


وفي عام 1972 وبعد احتلال شرقي القدس، قامت جمعية استيطانية برفع دعوى في المحكمة الإسرائيلية تزعم فيها ملكيتها للبيوت الثماني والعشرين التي تضمنها اتفاق الاردن والأونروا، مستغلة عدم نقل الملكية للمقيمين في البيوت، والتي من ضمنها بيوت عائلات حنون والغاوي.
وفي هذا الشأن قالت نادية حنون للجزيرة توك : ” لم يكن في ذلك الوقت محامون عرب في المحاكم الاسرائيلية يمكن الاستعانة بهم، فتم توكيل محامي يهودي، على أمل أن يتم اكمال اتفاقنا مع الحكومة الأردنية، ولكن ما حصل أن الجمعيات الاستيطانية أتت بأوراق مزورة باللغة التركية تتدعي فيها ملكية الأراضيمن أيام الحكم العثماني، وبناء على ذلك تم تحويلنا من أصحاب للبيوت لمستأجرين محميين، نقوم بدفع الأجرة للمستوطنين”.


ومنذ ذلك الحين والقضية ما زالت في قاعات المحاكم ما بين مد وجزر، وما زالت العائلات بانتظار قرار المحكمة النهائي علماً بأن الاخلاء القسري تم من غير غطاء قانوني، أي بغير أمر محكمة. هذا وقد كان محامي العائلات حسني أبو حسين في زيارة لتركيا حيث أحضر معه من الأرشيف العثماني أوراقاً تثبت أن الأوارق بحوزة الجمعيات الاستيطانية مزورة.


وفي تعليقه على ذلك قال زياد الحموري مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجزيرة توك أن أي صراع قانوني في القدس المحتلة هو صراع غير متكافىء، وأن القضاء فيها غير عادل لأن ” المحاكم الإسرائيلية في النهاية ذات هدف سياسي يتعدى القوانين، وهي أداة لتنفيذ مخططات تهويد المدينة”، مستذكراً المثل العربي الذي يقول : “إذا كان غريمك القاضي فلمن تشكو؟ “. وبرر الحموري عدم أمله بصدور قرار قضائي عادل قائلاً : “لنفرض جدلاً أن المحكمة ستصدر قراراً لصالح الفلسطينيين، فمن سيضمن تطبيقه؟ ومثال ذلك قرار صادر عن محكمة العدل العليا في اسرائيل باخلاء مستوطنين من بلدة سلوان لم يتم تنفيذه، وقرار آخر يقضي بالسماح لاهالي قريتي إقرث وبرعم بالعودة لأراضيهم لم يتم تنفيذه كذلك ؟”.

طرد عائلات حنون والغاوي إلا حلقة في سلسلة مخططات لتهويد المدينة، وقلب الموازين الديموغرفية فيها. اليوم حنون والغاوي، وغداً بقية بيوت الشيخ جراح، وبعدها سلوان والطور والبلدة القديمة وما أدراك ما بعد. وما بين نشاط وهمة الجمعيات الاستيطانية وبين خمول واهمال الجهات الفلسطينية والعربية يُترك المقدسيون معلقين بانتظار حلٍ يُعطي للمكان المقدس حقه، وللأرض أهلها وتاريخها، وللسكان حقوقاً سلبها محتل، يعمل في ظل سكوت بشري مهين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s