روان الضامن : فيلم "النكبة" تجاوز البكائيات والعواطف

الجزيرة توك تحاور مخرجة فلم النكبة الفائز في مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية
هنادي قواسمي – الجزيرة توك – القدس المحتلة
“خيوط المؤامرة” ، “سحق الثورة” ، “التطهير العرقي” ، و”النكبة مستمرة” ، هي عناوينُ أجزاءٍ أربعة لسلسلة وثائقية عن النكبة، بثتها قناة الجزيرة العام الماضي في الذكرى الستين لنكبة الشعب الفلسطيني، مُحدِثة صدىً واسعاً، فقد امتازت بالوثائق والصور التي تُعرض لأول مرة، ولاقت إعجابا واسعاً من الجمهور. أما هذا العام، فقد دفعت عجلة هذا الاعجاب الجماهيري والإتقان الإخراجي إلى تميز آخر ، فقد حصل الفيلم – وبجدارة – على جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل حول القضية الفلسطينية في مهرجان الجزيرة الخامس للأفلام الوثائقية .

أما الأيادي التي أبدعت هذا العمل وأخرجته إلى نور الشاشات العربية بل حتى العالمية، حيث ترجم إلى لغات أجنبية عدة، فهي أيادي روان الضامن. روان ، و كما عودتنا الجزيرة بنبضها الشبابيّ، هي إحدى النابضات شباباً في قناة الجزيرة حيث تعمل مخرجة ومقدمة برامج .
إبداعها في فلم النكبة تقف وراءه سيرة ترفع رأس المرأة العربية عالياً، فهذه ثاني جائزة تحصل عليها الضامن، سبقتها جائزة أفضل فيلم وثائقي Going Live حصلت عليها في مهرجان نورويك للبرامج التلفزيونية في بريطانيا عام 2004، مؤكدةً أن مشوار الإبداع عابرٌ للحدود .
على هامش الفوز بهذه الجائزة، كان للجزيرة التوك الحوار التالي مع المخرجة روان الضامن :

الجزيرة توك : مبارك حصولك على جائزة أفضل فيلم وثائقي عن القضية الفلسطينية، ماذا تمثل لك هذه الجائزة، ما هو شعورك إذ حصلتِ عليها؟ وهل كنت تتوقعينها؟

روان الضامن : الله يبارك فيك. سعدت كثيرا بهذه الجائزة والتي حقيقة لم أتوقعها لمعرفتي السابقة بأفلام المهرجانات والتي عادة ما تغلب الجانب الفني التصويري على الجانب الموضوعي والتوثيقي. وفلم النكبة بساعاته الأربع لم يكن فلما فنياً بالأساس، لكنه كان وثيقة تاريخية غلبت الوثيقة والصورة الأرشيفية والمعلومة الموثقة على أي شيء آخر. الحمد لله سعدت كثيرا بهذه الجائزة وسعدت شبكة الجزيرة بهذا التقييم من لجنة دولية مستقلة من خمس جنسيات مختلفة.

الجزيرة توك : كيف أتت فكرة الفيلم ؟ وما المدة التي استغرقها تحضير الفيلم؟

تم تكليفي بانجاز الفيلم من قبل شبكة الجزيرة وذلك ضمن مجموعة من الأعمال لإحياء الذكرى الستين لنكبة فلسطين العام الماضي. استغرة العمل عليه ستة أشهر لم أعرف خلالها طعم النوم أو الراحة. فقد كنت أعمل ست عشرة ساعة لستة أشهر متواصلة بدون يوم إجازة واحد.

الجزيرة توك : برأيك، ما السر في تميز الفيلم والذي رشحه لهذا القبول الكبير في قلوب المشاهدين وهذا الفوز في مهرجان الجزيرة؟

هناك مئات الأعمال الوثائقية عن فلسطين، لذلك كان لا بد لشبكة الجزيرة من أن تقدم “جديدا” في الفلم على مستوى المضمون ومستوى الشكل. ففي المضمون جاء الفلم بمعلومات جديدة مجمعة بشكل موثق بشكل مختلف، وبحيث بدأ من 1799 حتى يومنا هذا. بمعنى أن الفلم أكد على أهمية أن النكبة لم تبدأ عام 1948 وإنما بدأت قبل ذلك بأكثر من مئة عام، وكان عام 48 نتيجة وليس بداية. وأكد على أن النكبة لم تنته عام 1948 بل مستمرة إلى اليوم ولو بأشكال مختلفة، فالتطهير العرقي للفلسطينيين مازال مستمرا حتى اللحظة. كما أن الفلم وثّق بالصورة الأرشيفية الثابتة والمتحركة لقصة فلسطين بطريقة جديدة، وكان فيه صور تظهر لأول مرة على شاشة عربية أو أجنبية، كما عرضت فيه وثائق أيضا تظهر لأول مرة، وكانت مدفونة في الأرشيف البريطاني دون أن تصل كاميرا إليها.

الجزيرة توك : بعد هذا القبول الكبير، هل هناك نية لترجمة الفيلم للغات اخرى؟

نتيجة طلب مشاهدي الجزيرة، خصوصا من العرب الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة والذين يريدون أن يفهم أبناؤهم (الجيل الثالث والرابع) ، والذي فقد صلته باللغة العربية، حقيقية جذور ما حدث لفلسطين، قامت شبكة الجزيرة بترجمة العمل إلى الإنجليزية، وقمتُ بالاشراف على الترجمة لكي تنقل الروح وليس الكلام فقط، وقرأ النص زميل من قناة الجزيرة الإنجليزية. وصدر العمل باللغة العربية والإنجليزية على أقراص مدمجة (دي في دي). بعدها تم ترجمة الفلم إلى البرتغالية وعرض في مهرجان “صور من الشرق” بالبرازيل، وحاليا تجري ترجمته إلى الإيطالية والإسبانية من قبل مهرجانات مختصة.

الجزيرة توك : هلا حدثتنا عن بحثك عن المادة التاريخية المتعلقة بهذه الحقائق، كيف وصلتي لها؟ بكلمات أخرى، ما هي المصادر التي اعتمدت عليها في مادة الفيلم ؟

استعملت جميع المصادر التي يمكن الاعتماد عليها. بالنسبة للمعلومات، بدأت أولاً بالمؤلفات التاريخية المعمقة حول المرحلة سواء من مؤرخين فلسطينين أو إسرائيليين أو بريطانيين. وكل ما أمكنني الوصول إليه. وبالنسبة لمصادر الصور فقد تعددت من الأرشيف البريطاني وأرشيف جامعة أكسفورد (بريطانيا) إلى الأرشيف الأمريكي والإسرائيلي وبالطبع الفلسطيني المبعثر في مؤسسات ولدى أفراد مختلفين. أستطيع أن أقول أنني خلال تحضيري للمادة اطلعت على كل صورة عن تاريخ فلسطين سواء ثابتة أو متحركة منذ 1840 وحتى 1952.

الجزيرة توك : ما هي الصعوبات التي واجهتك في الوصول لتلك المصادر ؟

بالطبع الوصول إلى المصادر المعلوماتية والصورية لم يكن سهلا على الاطلاق لأنه ليس هناك أرشيف للقضية الفلسطينية مجمّع في مكانٍ واحدٍ. الوصول إلى المصادر وإقناع أصحابها (أحيانا أفراد أو مؤسسات) بالسماح لنا بتصوير هذا الأرشيف واستخدامه استغرق الكثير من الوقت والجهد، لكن الحمد لله وفقنا في النهاية.

الجزيرة توك : يشكو كثيرون من ضعف التأريخ للنكبة، وأن كثيراً من تفاصيلها موزعة في قلوب وألسنة المهجرين دون توثيق. ما رأيك بهذا؟

عملت مع شقيقتي ديما لمدة ست سنوات في التاريخ الشفوي الفلسطيني 1991 – 1997، وأستطيع أن أؤكد أن كثيرا من تاريخنا الفلسطيني مازال شفوياً ومخزناً في ذاكرة الفلسطينيين غير موثقٍ. وهذه مشكلة حقيقية، وتتفاقم مشكلتها مع تقدم الزمن وفقداننا لشهود العيان الذين عاصروا الحدث بوفاتهم أو كبرهم في السن إلى حد لا يمكننا من الاعتماد على تفاصيل ذاكرتهم. لكن التاريخ الشفوي بحاجة إلى باحثيين حقيقيين يعرفون كيف يجمعونه ويوثقونه ويستفيدون منه.

الجزيرة توك : هل من ذكرى ما علقت بذهنك وأثرت بك خلال إعداد فيلم النكبة؟

ربما أبرز وثيقة عرضت في الفلم (لأول مرة على الشاشة) وأثرت بي كثيراً هي وثيقة هيربرت صموئيل والتي كتبها عام 1915 تحت عنوان “مستقبل فلسطين”، وعلينا أن نتذكر أن ذلك كان في خضم الحرب العالمية الأولى، وقبل وعد بلفور بعامين. كان صموئيل أول يهودي صهيوني يصل لمنصب وزير بريطاني وكتب مذكرة سرية موجهة للحكومة البريطانية يؤكد فيها على أهمية أن توضع فلسطين بعد نهاية الحرب تحت الحكم البريطاني من أجل تسهيل الهجرة وشراء الأراضي وتأسيس وطن يتسع لحوالي 3 – 4 مليون يهودي. وثم ماذا حصل؟ جاء صموئيل كأول مندوب سامي بريطاني عام 1920 وبقي خمس سنوات ليطبق ما اقترحه عام 1915 حول تحويل فلسطين إلى وطن لليهود

الجزيرة توك : كيف تقيمين وضع الأفلام الوثائقية العربية بشكل عام ؟ ما هو مستقبل الفيلم الوثائقي على الساحة العربية ؟ وهل تنجحفعلا مثل تلك الافلام في تشكيل ثقافات الشعوب العربية؟ وما مدى تأثيرها على خدمة القضية بشكل عام؟

لا أستطيع تقييم الأفلام الوثائقية العربية، فأنا أشاهد القليل منها، بعد أن ينصحني أحد الأصدقاء بمشاهدة هذا الفلم أو ذاك. لكنني أثق أن الفلم الوثائقي اليوم هام للغاية في تشكيل وعي الشعوب التي أصبحت لا تقرأ. فلسطينيا نحن بحاجة إلى الكثير من الإعلام الحقيقي والموضوعي والذي يعتمد على المعلومات وليس العاطفة للوصول إلى الآخرين.

الجزيرة توك : برأيك ما السبب في عدم فهم الغربيين للقضية الفلسطينية؟ وماذا باستطاعة الإعلاميين خاصة في ظل ثقافة الإعلام الجديد ( التدوين واليوتيوب والتويتر) أن يقدموا لأجل القضية الفلسطينية؟

أعتقد أن السبب هو أننا نركز على “العاطفة” وليس على “الحجة والدليل والبرهان”. ففلم النكبة بعد أن ترجم للإنجليزية وعرض أمام جمهور غير عربي، أحبه الجمهور الغربي كثيرا لأنه يعتمد على المعلوماتية والوثيقة والصورة وليس على البكائيات. إن دور الإعلاميين العرب في التعبير عن القضايا العربية هام للغاية، بكافة الطرق سواء التلفزيون أو الإذاعة أو الصحافة أو حتى الإعلام الحديث مثل التدوين واليوتيوب وغيره. ما زلنا مقصرين، وقليلون من استطاعوا تقديم أعمال نوعية تحمل رسالة.

الجزيرة توك : من خلال برنامجك ” رائدات في الوطن العربي ” ، ماذا تقولين عن وضع المرأة عربياً ؟

أنا حزينة لوضع المرأة عربيا. كنا نعتقد أن تعليم المرأة سيساعد في تحقيقها لذاتها، لكن ذلك لم يحصل. كم امرأة عربية مخرجة ميدانية للأفلام الوثائقية داخل العالم العربي؟ كم امرأة خبيرة اقتصادية ومتحدثة على الفضائيات العربية؟ كم امرأة مصورة ميدانية؟ لم نصل بعد لما نطمح له عربيا كنساء. برنامج “رائدات” حاول ان يسلط الضوء على نساء عربيات معاصرات رائدات على مستوى الوطن العربي، ونجح في تقديم نماذج مشرفة والحمد لله، ويحسب لشبكة الجزيرة أنها كانت القناة الفضائية العربية الأولى التي قدمت برنامجا من هذا النوع ولم تتبعها أي قناة أخرى.

الجزيرة توك : ماذا عن روان ؟ نشأتك ؟ كيف دخلت مجال الإعلام ؟ هل واجهت صعوبات كونك امرأة في بيئة عربية ربما تحد من تميز المرأة ؟

ولدت في عمان بالأردن، وأحببت الإعلام منذ طفولتي، فكنت أكتب في الصحف وأنا في الصف الأول والثاني ابتدائي (في صفحة الأطفال) ومثلتُ مسلسلا للأطفال وأنا في الثامنة من عمري، آنذاك تعرفت لأول مرة ماذا تعني كلمة مخرج ومشهد وسيناريو… وقررت بعد إنهائي الثانوية العامة من العشرة الأوائل في التوجيهي العلمي أن أدرس علم الاجتماع والإعلام في جامعة بيرزيت في فلسطين، وكان هذا قراراً صائباً للغاية، فقد اخترت المجال الذي أحببته، ثم أكملت بعد ذلك درجة الماجستير في بريطانيا في الأفلام الوثائقية، والحمد لله أعتقد أنني كامرأة عربية شابة حققت شيئا مما حلمت به، شيئاً بسيطاً في الواقع.

الجزيرة توك : ماذا عن مشاريعك المستقبلية على صعيد الإخراج؟

ما زالت المشاريع المستقبلية “سرا” حتى الآن، لكن لدي أفكار كثيرة لم تدخل حيز التنفيذ بعد. أنا متحيزة للقضايا العربية ولفكرة “التغيير” في عالمنا العربي، وكل ما أتمناه أن أقدم أعمالا تضيف ولو القليل لطريق التغيير الإيجابي في العالم العربي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s