كي لا تضيع البقيّة !

نار الانقسام تطال النشيد الوطني الفلسطيني

هنادي قواسميالجزيرة توك القدس المحتلة


بثت قناة الجزيرة ليلة السبت ضمن برنامج “حوار مفتوح ” تسجيلاً محرفاً للنشيد الوطني الفلسطيني بعنوان: “كان موطني”، الأمر الذي أثار احتجاجاتٍ على الساحة الفلسطينية. كان أولها ما عبّر عنه ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والممثل السابق لفلسطين لدى الأمم المتحدة أحد ضيفي البرنامج، الذي اعتبر ذلك “أمراً غير مقبول وتحريفاً لواحدٍ من أهم الأناشيد الوطنية الفلسطينية”، منتقداً في الوقت ذاته عرضه على قناة مثل الجزيرة. ” موطني موطني، الجلال والجمال والسّناءُ والبهاءُ في رُبّاك ، والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ في هَواك، هل أراك، سالماً منعماً وغانماً مُكّرماً”. تلك هي كلمات النشيد الأصلي الذي كتبه الشاعرُ الفلسطينيُّ إبراهيم طوقان عام 1934 حين كانت فلسطين واقعةً تحت الانتداب البريطاني.. لُحنت القصيدة بعد ذلك لتصبحَ نشيداً وطنياً بامتياز لا يملّ الفلسطينيون من ترداده جيلاً بعد جيل في المناسبات الوطنية، جنباً إلى جنب مع نشيد منظمة التحرير الفلسطينية ” فدائي”.

لكن يبدو أن ذاك الوطن لم يعد في نظر البعض مدعاةً للفخر والتغني، ولم تعد رباه محلّ السناء والبهاء، ولم يعد الفلسطيني يحمل أي أملٍ برؤيته سالماً مُنعماً. كلمات النشيد “المحرّف” الذي بث على الجزيرة، وبعكس النشيد الحقيقي، لم تصف جمال فلسطين وبهاءها، ولم تتغن بشموخها وعزّها، وإنّما وصفت مشهداً سوداوياً رسم الانقسامُ الداخلي تفاصيلَه، فأمسى ذلك الوطن ” خانعاً مكمماً بقادته مسمماً” ، وأضحى الوفاق بين فرقاء الشعب مستبعداً، فـ”كلّ حزب قد بدا وهمّه يرضي العدا” ، كما تقول الكلمات !.

وفي أول تعليق رسميّ للحكومة الفلسطينية على بث النشيد استنكرت وزارة الإعلام الفلسطينية ما أسمته “قيام الجزيرة بالمساس بقيمة وطنية”، معتبرةً أن بث مثل هذا النشيد “يعمل على إثارة الخلافات وتعميقها في الساحة الفلسطينية”، وأنه يدلّ، حسب تعبيرها، على “تحريض متواصل من قبل الجزيرة على منظمة التحرير الفلسطينية”.

آخرون زادوا على ذلك واعتبروا أن “التحريف” لا يمسّ الفلسطينيين وحدهم، وإنما هو بحسب تعبير الرائد محمد علاونة، مدير العلاقات العامة لقوات الأمن الوطني في جنين، ” اعتداءٌ على ثقافة النضال العربي برمته”، مُذكراً بأن هذا النشيد ليس فلسطينياً فحسب، بل هو نشيد ” كل عربيّ حرّ” ومستشهداً بأنه يستعمل منذ عام 2003 كنشيد وطنيّ للعراق.

أيده في ذلك الفلسطينيّ غياث جازي الذي يعمل مذيعاً في إذاعة جامعة النجاح في نابلس، والذي نقلت عنه وكالة “معاً” الإخبارية الفلسطينية أنه ينوي مقاضاة قناة الجزيرة لأنّها “روّجت للنشيد المحرف”، مما شكل حسب تعبيره أثراً نفسياً وعاطفياً سلبياً عند عدد كبير من شعوب الأمة العربية وبالأخص الفلسطينيين”.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد دعت جهات فلسطينية مختلفة إلى مقاضاة ومقاطعة قناة الجزيرة ومنعها من ممارسة نشاطها الإعلامي داخل مناطق السلطة الفلسطينية، مطالبين إياها والمذيع بن جدو بالاعتذار عمّا وصفوه “بالجريمة التي ارتكبت بحق النشيد الوطني”.

أما أسامة حمدان، مسئول العلاقات الدوليّة في حركة حماس – والذي كان الضيف الثاني في البرنامج وطال النشيد حركته كذلك بالنقد – فقد قال إن وضع الساحة السياسية هو الذي يَستَفِز وليس النشيد الذي أسمّاه “مُعدّلا”.

واعتبر حمدان أنّ هذا النشيد يأتي كردِ على “الحالة السياسية التي سببتها عملية التسوية والضياع في دهاليزها”، وأن “عدم الاستعداد للوقوف وقفة مراجعة للمسار السياسي الفلسطيني في العقدين الأخيرين” هو ما يسبب الاستفزاز.

ونشر النشيد المذكور على موقع اليوتيوب الشهر الماضي مصحوباً بصور من مظاهر الاحتلال الأمريكي في العراق، على يد من قيل أنّهم عراقيون أرادوا بتحريفه التعبير عن واقع بلادهم. ومن ثمّ تَمَّ تبنيه فلسطينياً فاستبدلت بصور العراق صور مختلفة تظهر قادة فلسطينيين من فتح وحماس. هذا وقد قامت الجزيرة قبل بثه على شاشتها بتغيير تلك الصور ووضعت مكانها صورة تظهر العلم الفلسطيني وتحمل العنوان “كان موطني”.

هذه الحلقة من برنامج “حوار مفتوح” أعادت إلى الأذهان حلقة سابقة منه بُثت في يوليو من العام الماضي، حيث احتفل فيها بن جدو بعيد ميلاد الأسير اللبناني المحرر سمير القنطار مما أثار زوبعةً من الانتقادات حوله. وقد أصدرت قناة الجزيرة عقب تلك الانتقادات بياناً أوضحتْ فيه أن قسم “مراقبة الجودة” في القناة يرى أن الحلقة المذكورة قد “خرجت في بعض جوانبها عما أقرته الجزيرة لنفسها من دليل سلوك مهني، لا سيما الأجواء الاحتفالية التي صاحبتها، مع تأكيدها على تميز وسعة إطلاع مذيعها غسان بن جدو.

فهل ستجد الجزيرة نفسها مرة أخرى في خانة الاتهام وتحديداً من السلطة الفلسطينية بعدم الموضوعية و بـ”تعميق” الانقسام الفلسطيني؟ وهل يستحق نشيدٌ محرف، لا ذنب له سوى أنه نقل الحقيقة، و لم يتعد بثه الدقيقة الواحدة، أن يكون سبباً في إثارة أزمة جديدة بين قناة إعلامية وسلطة حاكمة؟ وهل يُعاب على وسائل الإعلام أنها تنقل نبض الشارع وواقع الحياة ؟

أسئلة قد لا نتفق في الإجابة عليها، لكننا لا نختلف على ما قاله من خطّ حروف نشيد “موطني” الأصلي: ” في يدينا بقيةٌ من بلادٍ فاستريحوا كي لا تضيع البقية”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s