كم عمرك ؟ لا يهمّ !

أذكر جيداً وأنا في عامي الجامعيّ الأول يوم ذهبت إلى مكتب أحد أساتذتي في الجامعة العبرية مستفسرة عن وظيفة ما علينا كتابتها. كان لطيفاً وقال لي بعد أن أجابني عن سؤالي: كم عمرك؟ قلت له: 19 عاماً. قال لي: ما زلتِ صغيرة! تعلمي على مهلك ، واستمتعي بحياتك، هل تنوين إنهاء البكالوريوس في 3 سنوات؟ أجبته بنعم، ففاجئني بالقول: ولماذا العجلة؟ لماذا تضغطي نفسك في 3 سنوات؟ ابتسمت قائلة : سأفكر بالموضوع!


لم يقنعني يومها بأن أمدد تعليمي إلى 4 سنوات، لكنه أثار في عقلي أسئلة : لماذا نحن في عجلة دوماً؟ لماذا لا نعيش حياتنا بطولها وعرضها؟ ألا يحق لنا نأخذ وقتنا ونصبر الصبر الطويل حتى نجد ما نريد ونحب ونحصل عليه؟؟ لماذا تحدد لنا الأشياء بالأعمار والأوقات؟ هل من الصحي والسليم أن يتوقع منا أن نتعلم في مدة محددة، أو نتزوج في سن معين بذاته، أو أن يربط أي نشاط كان بعمر معين ؟ ومن ناحية اخرى، لماذا يجب أن نعيش كلنا ونقضي حياتنا بنفس الطريقة، بنفس التسلسل ، وبنفس النمط؟!

يوم كنت طالبة للبكالوريوس كان كثير من الناس يستفزونني حين يسألونني عن الجامعة التي  أدرس فيها بتعليقهم: “يعني ضاعت عليك سنة؟؟!” ، ظناً منهم أن البكالوريوس في الجامعة العبرية يعني 4 سنوات، أضف عليها سنة كاملة من تعلم اللغة العبرية، مما يعني – في حساباتهم الصغيرة – أني “أضعت” سنة من عمري، لأني سأتخرج في 5 سنوات بدلاً من 4 كما هو في بقية الجامعات!

أكظم غيظي وأحاول تجاهل كلمة “ضاعت” لأوضح لهم أن أغلبية برامج البكالوريوس في الجامعات الإسرائيلية لا تستغرق أكثر من 3 سنوات، لأطمئنهم أنني سأنهي مع غيري من أبناء جيلي في 4 سنوات. أرى على وجوههم علامات الفهم ، لكني لا أكتفي بذلك فأضيف بنوع من “الفلسفة”: حتى لو كانت 5 سنوات، فذلك لا يعني ضياعاً لأني حينها سأكون اكتسبت لغة جديدة! وأضيف في عقلي : ومن قال أن طلب العلم ولو استغرق عشرين عاماً يعدُّ إضاعةً للعمر؟؟!

يقودني ذلك لموقف متكرر في مجتمعاتنا ، أحياناً حينما يرغب أحدهم بشدة أن يتعلم الطب يقال له : “ولماذا تضيع سبع سنوات من عمرك في الدراسة؟”، والمسكين يكون في حالة عشق وهيام مع العلوم الطبيّة وفي حالة من التحمس لبدء حياته الجامعية على هدى وتعقل، فتأتيه هذه الصفعة التي تكسر عزائمه!! لماذا حينما ترغب الفتاة بدراسة المحاماة مثلاً يقال لها: ولماذا تتعبين نفسك في دراسة طويلة وأنتِ في النهاية ستتزوجين وتعلقين شهادتك في المطبخ، ادرسي تربية وكوني معلمة أفضل لك!! ستكون حياتك صعبة في هكذا مهنة شاقة مع بيت وأولاد!! الفتاة المسكينة ما زالت ترسم خطتها المستقبلية فيأتونها ويفترضون المصاعب ويضخمونها وكأن هذا هو السيناريو الوحيد المتوقع، بينما عجزت بقية السيناريوهات الإيجابية الجميلة أن تقفز إلى عقلهم الإخراجي المبدع!

آخر يقبل بهمة عالية على طلب العلم، ويبحث حتى يجد ضالته فيقرر السفر إلى أوروبا للدراسات العليا ليعود بعدها بخبرة أوسع فيتنافس الناس في محاولة تثبيطه: ولماذا تبعد عن أهلك ووطنك وتتغرب ما دمت تعمل في وظيفة جيدة ومعاشك جيد؟! العمر يجري..انساك من السفر! “يا إخوان سيبونا نتطور!!” طبعا لو كانت نفس الحالة لفتاة سيقال لها : “ما خلاص شهادة واحدة  – بكالوريوس- تكفيكِ! العمر يجري والقطار يفوتك!” ..

ينتهي المساكين من تعليقات الناس حول تعليمهم ليبدأ موال جديد ! قالوا له :عمرك 27 عاماً، عليك أن تتزوج، من هم في عمرك معهم بدلاً من الولد ولدين!! لا بد أن تتزوج قبل أن تبلغ الثلاثين! ولكن، لحظة: يعني من عمره واحد وثلاثون لا ينفع للزواج؟! من قال لهم بأن للزواج أو أي شيء في العالم عمراً معيناً !! أو حتى من قال لهم أنه يجب أن يكون نسخة عمن هم في عمره، تمشي حياته بنفس روتين حياتهم ونفس ترتيبها وتسلسلها؟ طبعا لا ننسى هنا أن الموضوع يكون أكثر حساسية في حالة الفتاة، فهذه صديقتي تخبرني عن زميلتها في الجامعة- المفروض واعية! : أختك عمرها 22 عاماً وليست متزوجة أو مخطوبة بعد!! ما هذا؟ يا للهول!!

وإذا كان هؤلاء يهاجمون صاحب القلب الشاب بقولهم “كبرت!”، فإن آخرين يثبطون غيره إذا عزم على أمر ذي شأن بقولهم ” ما زلت صغيراً على ذلك!”. يقول أحدهم مثلاً :”أريد أن أبدأ بمشروع كذا وكذا”، ويبدأ بالتخطيط له ودراسة جدواه ووضع كافة الاحتمالات، فيأتيه متكبر قائلاً :”وهل من هو في مثل عمرك يقدر على هذا؟ ما زلت في بداية الطريق.. لا خبرة لديك”.. هكذا ببساطة، والمصيبة أنه قد لا يفهم هذا الأخير أي شيءٍ في مجال عمل الأول المتحمس.

في ظل ذلك ، أبحث في شرعنا عن أي ربط بين عملٍ ما وفترة عمرية محددة فلا أجد إلا التكليف حين البلوغ. بل حتى هذا ليس مرتبطاً بعمر محدد، فالبلوغ يختلف من شخص إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى. أبحث عن أمثلة بعينها فلا أجد إلا الصلاة ..تبدأ بتعليم ابنك الصلاة في عمر سبع سنوات وتصبر عليه ثلاث سنوات حتى يتعودها فلا يتركها. حتى الحج والزكاة فهي عبادات مرتبطة بشروط معينة ليس العمر من بينها.

أما في سير التاريخ فحدث ولا حرج، فهذا محمد الفاتح قاد جيش القسطنطينية وعمره واحد وعشرون عاماً، وعدد من الصحابة نسمع عن سيرهم ومشاركتهم في الفتوح وهم في سن فتية أو أخرون في سن متقدمة. وفي حياتنا اليومية أخبارٌ عن مسنين تعدوا الستين والسبعين حفظوا القرآن، أو غامروا بتسلق أعالي الجبال.. لم يمنعهم “حاجز” العمر! وأعرف من حصل على شهادة الدكتوراة وأصبح محاضراً في الجامعات قبل وصوله سن الثلاثين!

باختصار : ارسم سيناريو حياتك بنفسك .. ولا تدع توقعات الناس ولا أنماط حياة من هم حولك يمسكون الريشة عنك! اعمل ما شئت متى رأيت أنه الوقت المناسب له! وعمرك لا يهم!

رابط النشر على الجزيرة توك

http://www.aljazeeratalk.net/node/6794

Advertisements

8 أفكار على ”كم عمرك ؟ لا يهمّ !

  1. كلام جميل ، وعودة طيبة للتدوين مع كلام نهضوي 🙂

    اضيف على كلامك ، اننا لو بسطنا المفاهيم في حياتنا ، لقلنا : ما المانع ان يكون الانسان طالب علم حتى يشاء الله ، ما المانع ان يكون اب وطالب علم ، ما المانع ان يكون أي شي يريد وهو طالب علم ؟

    وهم العجلة ، نقع فيه جميعاً ، وللاسف عن نفسي مهما حاولت اعالج هذه النقطة اجد الامر غير سهل !

  2. جاءت على الوجع يا هنادي .. كأننا في مرثون للجري … لم أكن أشعر بذلك قبل الجامعة ولكن عندي وصولي للسنة الرابعة بدأت أشعر بذلك …. لا أدري لماذا العالم كله يجري !!

    تعجبني جداً عبارة تقول إذا كان الله قد حررك فلماذا تسمح لأيشيء أن يقيدك ؟

    قاعدتي ” أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ”

    وعلى فكرة لقد حولت تدوينتك هذه لتطبيق عملي قبل 5 أسابيع , فقد قررت أن أعطي دورة بعنوان ” أكتب سيناريو حياتك بنفسك ” وهي اليوم في أسبوعها السادس 🙂

    لا تحرمينا من قلمك المبدع

  3. كلمات رائعة … لا يجيد صفها بهذا الشكل البديع إلا كاتبة متمكنة من ناصية يراعها .. حيثما وجهته ترك خلفه درراً متلألأة
    تدوينة لها ما بعدها … قرأت بين سطورها ميلاد هنادي أخرى

    الفخور بأخوتك … ولد سيدي

  4. روووووووعة
    انا أيضاا لطالما تحبط بسبب كوني صغيرة….
    يكون هناك مشروع أريد الاشتراك به يقولون لا إنت لساتك 16 !!!!!
    شو يعني؟؟؟
    أنا عمري 16 لكن طموحاتي أكبر من عمري….
    كل شيء في الحياة يحتاج إلى وقت و ما رح “يضيع” إشي
    لو ما كان أساس حياتنا مبني على التدرج لما خلق الله السماوات و الأرض في 6 أيام و هو يستطيع خلقها في ساعة!!!
    الله ثبتنا و أعنا على تحقيق أحلامنا :):)
    ماشاء الله كتاباتك رااااااااااائعة

  5. آلاء سامي.. منكم نستفيد يا صديقتي
    ولد سيدي ..شوقتني لأعرف من هي هنادي الجديدة 😀
    وزينة .. رحلة موفقة في عالم الأحلام والطموحات .. أمامك الدنيا بطولها وعرضها.. تألقي 🙂

    شكرا لكم جميعاً على المرور ..

  6. “والعصر، إن الإنسان لفي خسر، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”. صدق الله العظيم
    العمر هو مادة الخام التي نصنع بها من نكون ويصنعنا بها مجتمعنا. يعني لا يوجد مجتمع بدون توقعات من الجيل الشاب، وهذا الامر طبيعي جدا. ولكن السؤال: كيف تحدد اهدافك؟ هل تكون بناءا على رغباتك الخاصة ام بناءا على احتياجات المجتمع؟
    وايضا: الى ماذا يحتاج مجتمعنا؟ وهل نحن فعلا نعمل على بناء المجتمع ام حسب ما نريد؟ هل “تطورنا” الشخصي بالضرورة يقود الى “تطور” مجتمعنا؟
    بين السطور ومن التعليقاات اجد تمرد شباب على التوقعات الاجتماعية والحد من همة الشباب. ولكن دعونا نفهم لماذا؟
    شعوب تحت الاحتلال تعيش حالة من صراع البقاء ومعناها ببساطة: الاكل والشرب والتكاثر!!
    ربما الشباب لا يريد ان يعيش صراع البقاء هذا، ولكن ما يفعله عمليا استنساخ صراع البقاء في مفاهيم اخرى مثل: التعليم، حرية السفر والتحرر من قيود المجتمع.
    كيف السبيل للخروج؟
    سؤال وجيه.. للآن لا إجابة لدي.
    وفق الله قلمك هنادي والى ابداع اخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s