حجٌ بلا قدس!

سندس عودة وهنادي قواسمي – الجزيرة توك – مكة المكرمة – القدس المحتلة

من كل مكان في الأرض، وبشتى الألوان والصفات واللهجات، تتزين مكة المكرمة كل عام بأفواج الحجيج المشتاقين لنورها، الساعين لرضى الرحمن. تخيل هذا المشهد للحظات! تخيله بمقطع عمودي، مربع الكعبة باللون الأسود يشع هيبة، من حوله حلقات من البياض تدور كما الكواكب في مدارها.

 


وكأن الله نادى عليهم، أو كأن بقعةً مطهرة من الأرض دعتهم ليقيموا عليها أياماً معدودات ، فهل يتسع الكون لقلوبهم الفرحة المشتاقة ؟

ينون أداء حجهم بكل تفاصيله و بكل ما أوتوا من قوة وهمة ، يعلمون المسموحات والمحظورات و ما عليهم فعلهم وما عليهم تجنبه. يقضون دَيْنَهم ويستسمحون من يعرفون ، يودعونهم على أمل اللقاء مع وعودٍ صادقةٍ بدعوات توسيع الرزق والمغفرة والتوفيق . يهيئون أنفسهم على نسيان ما مضى من ذنوبٍ ومعاصي وكأنهم لم يفعلوها قط ، فهم الآن أصحاب الصفحات البيضاء وكأن أمهاتهم قد ولدنهم للتو..

***

ومع هذه الأجواء لا ننسى القدس، فإن كانت مكة قبلة المسلمين اليوم ..فإنه ما من نبي بعثه الله منذ هبوط آدم إلا وجعل بيت المقدس قبلته، وهي قبلة المسلمين الأولى، وهي كاشفة الحزن التي اختارها الله تعالى ليُسرّي بها عن رسول الله بعدما لقي من أذية بني الطائف، فكان في سمائها المعراج، وفوق أراضيها المباركة نزل الأمر بعماد الدين – الصلاة -، وفيها جُمِعَ الأنبياءُ والرسل وما جمعوا في بلد غيرها، فاستفردت هي بهذا الشرف. وإن كانت في “الصلاة” فهي في “الحج” كذلك، فقد ثبت في الصحيح الحديث النبوي: (مَنْ أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِ)..

للقدس إذن من الحج نصيب .. يفترض أن تبتهج هي كما تبتهج أختها المكيّة ، تستذكر أياماً خلت حين كانت تُزار من الحجاج كما تزار مكة ، ارتباطٌ وثيق يجهله الكثيرون، ووعد من الله في حديث نبيه الكريم لمن بدأ حجه أو عمرته من المسجد الأقصى بغفران ما تقدم من ذنبه.. وهل أفضل من حجِ يبدأ في الأرض التي بورك حولها وينتهي في أطهر أرض الله ، يجمع ما بين البركة والقداسة ؟! وقد حاز هذا الشرف كثيرون، فعمر بن الخطاب، و عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأم سلمة رضي الله عنهم جميعاً، نقلت عنهم كتب السير والأحاديث أنهم ابتدأوا حجهم أو عمرتهم من المسجد الأقصى ..

***

وبعيداً عن كتب الأحاديث .. يحدثنا الأجداد وكبار السن عن عادة اعتادها المسلمون قديماً في زيارة المسجد الاقصى بُعيد أداء فريضة الحج يسمونها “التقديس”، ويستخدمونها بصيغة الفعل فيقولون “قدّستُ حجتي”، أي أتبعتها بزيارة القدس. لعلهم في ذلك يتذكرون قول الله تعالى: ( ومن كل شيء خلقنا زوجين..)، فيبحثون عن “زوج” مكة.. تتجه انظارهم غرباً من مكة نحو الشمال، ليجدوه في أكناف فلسطين.. يملؤون عيونهم بالنور يشع من قباب مسرى رسول الله، يرسمون بينهما خطاً من أربعين عاماً هم الفاصل بين بناء الأول والثاني . هما إذن أول مسجدين بنيا على الأرض، لا تشد الرحال إلا إليهما مع رفيقهما الثالث في المدينة المنورة.

مكة القدس صنو عينيَّ وعيني *** قبلتان أختان بل توأمان

ما أظلت سبع السموات أرضاً **** وتحنى الغروب بالأرجوان

بيننا أربعون عاماً وليست **** في حساب الأفلاك إلا ثوانِ

وبعيداً عن الاثنين : الاحاديث والعادات، يطلُّ علينا الواقع .. فكل ما سبق يبقى في صفحات الماضي وفي إطار الخيال والأماني، بعد أن حال بين الحجاج و القدس احتلالٌ يطوق البشر والحجر والشجر ومن قبله المسجد الاقصى قبلة المسلمين الأولى التي تُعادل الصلاة فيه خمسمائة صلاة عن أي مكان سواه..

في هذه الأيام يستعد حجاج بيت الله لـ”رحلة العمر” .. الأقارب والمعارف يذهبون ويجيئون ..مرة يودعون ومرة يستقبلون..الكل يغبطهم ويسألهم الدعاء.. و عند عودتهم يكونون كدرة البيت الكل يتحلق حولهم يسمع ما عاشوه.. ويبقى الأقصى ..أولى القبلتين ومسرى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم منتظراً دوره في قصة الحاج المنطلق من القدس العائد من مكة.. فمتى “نحج” من القدس؟!

 

رابط المقال على الجزيرة توك

http://www.aljazeeratalk.net/node/6790

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s