وجوه في القدس المحتلة

Protest against "Jerusalem Day", East Jerusalem, 20.05.2012

احتفل الإسرائيليون يوم الأحد الماضي بالذكرى الخامسة والأربعين لاحتلالهم شرقي القدس. وفي مثل هذا اليوم الذي يطلقون عليه يوم “توحيد القدس”، كناية عن ضم القدس الشرقية إلى القدس الغربية التي سبق احتلالها عام 1948، في مثل هذا اليوم يسير المستوطنون القادمون من مختلف مستوطنات “اسرائيل” في مسيرات كثيرة داخل الأحياء العربية المقدسية.

أبرز تلك المسيرات، مسيرة الرقص بالأعلام، حيث يمتلىء المشهد أمامك بالأعلام الاسرائيلية وبصبية ترى الشر ولكن أيضاً الإصرار في عيونهم، يعلو صوتهم بأناشيد صهيونية وأخرى دينية، وأحياناً كثيرة بمسبات تبدأ من “الموت للعرب”.. ولا تنتهي بالشتيمة المباشرة في وجه أي عربي يرونه قائلين “يا ابن الزانية!”

بعد هذه الخلفية القصيرة عن الحدث أخبرك في السطور القادمة عن ملامح من رأيتُ في القدس يوم الأحد. لم أجري معهم مقابلات صحفية فأعرف أن الكثيرين يخافون من تصريحات الصحافة أو لا يجيدونها، وأن البعض يقول كلاماً انشائياً، فتركت هذا الخيار، وقلت سأراقب بعيني وأسمع بأذني الحركات والأقوال كما تنساب بعفويتها وأنقل لك المشهد، لتقترب من القدس أكثر. كما أن بعض الوجوه التي سأصف لن تعطيني فرصة مقابلتها صحفياً ولن تقول لي إلا كلام السب والهجوم.

بنات جدعات

Protest against "Jerusalem Day", East Jerusalem, 20.05.2012

“اي والله يا عمي انها أجدع منا”، قالها شاب مقدسي يبدو أنه في بدايات العشرين من عمره، كانت المقصودة صبية مقدسية بلباسها المدرسي لا يزيد عمرها عن 14 عاماً. في حين صمت الكثير من الرجال كانت هي تهتف وتصرخ بكل قوة أمام الجنود الاسرائيليين الذين يحاولون ابعاد مجموعة من المقدسيين عن منطقة باب العامود.

سبق تلك الجملة سلسلة من الاحداث أرويها لك: كانت تلك المجموعة المقدسية، الواقفة في بداية شارع نابلس عند موقف الحافلات، بسيطة العدد، غير متجانسة، ولا تملك خطة مواجهة، أغلبهم من الصبية والشباب المفترجين، لا يملكون حيلة ولا سبيلاً، بعض من الصحفيين، وبعض من اليهود المناهضين لسياسات إسرائيل العنصرية، وكذلك بعض “الصبايا الجدعات” هنا وهناك (1).

كان المشهد بداية مخيباً لآمال الكثيرين. قالت فتاة فلسطينية غاضبة في منتصف العشرينات: لماذا نحن صامتون؟ لماذا يهتف المستوطنون بكل وقاحة ونحن مكتفون بالتفرج”! لم يكن من المجتمعين في تلك المنطقة العدد الكافي ممن يملك الجرأة أو الوعي ليبدأ الهتاف. فبدأت هي تهتف لوحدها حسب اشتعال الأحداث، ويعيد البعض من ورائها بصوت متواضع.

ومن ثم بدأت فتاة يهودية شقراء بالهتاف بعربية مكسرة، لم يرد عليها أحد. هل هم خائفون؟ أم فاقدون للأمل؟ أم أن العدد غير كافٍ وغير واعٍ؟ لا اجابة لكن المشهد بدا مخجلاً أكثر: يهودية تقف أمام الاحتلال وشباب مقدسيون صامتون! فجأة ظهرت هي، ذات الـ 14 ربيعاً، بزيها المدرسي وبدأت بالهتاف “طلع الصوت من مجدو..باب السجن بدنا نهدو!”..”فلسطين عربية ..!”، الردّ عليها كان أقوى من الردّ على الشابة اليهودية، بعضاً من الخجل تبدد. لم يكن التفاعل قوياً لكنها لم تحبط، رأيتها مرات ومرات في مواقف عدة.

Protest against "Jerusalem Day", East Jerusalem, 20.05.2012

بعدها انضمت مجموعة من الشباب وشدت العزم وبدأ الهتاف يزداد، والصوت يعلو أكثر، والشباب يتجرأ أكثر. هنا أيضاً قادت إحدى الفتيات الهتاف، مُستلمة الراية عن شاب سبقها، تكر الشعارات بثبات وكأنها تقرأها عن وجه السماء أمامها.  تبع هذا الحماس الشبابي الخالص هجموم عنيف من الخيالة الإسرائيلية فتبدد الجمع مرة أخرى، واختفت الوجوه الأولى، لم أعد أراها في ذلك المكان بالذات، لكن الوجه الطفولي بأعوامه الأربعة عشر لم يستسلم، عادت لتصيح وتهتف أمام عيون العساكر، صوتها يخترق الفضاء :”بالروح بالدم نفديك يا فلسطين”. في تلك اللحظة، رأيته هو.. صاحب الجملة أعلاه يحني رأسه خجلاً ويقول بصوت خافض :” اي والله يا عمي انها أجدع منا”.

امراة أخرى مرت “صدفة” من موقع الحدث ومعها ابنها الذي يبدو في العاشرة من عمره، أخذ يبكي خوفاً ويطلب منها أن تسرع حتى لا يطاله الهجوم الاسرائيلي، فصاحت به أمام الجميع: “خليك زلمة! كيف بدنا نحرر فلسطين!” وبدأت تهتف مع الجمع، وهو يبكي وهي توبخه :”روح شوف ولاد اليهود كيف بربوهم من هم صغار..!”.

صدق اللي قال: صوت المرأة ثورة!

المثبطون

على شاكلة ” أنتو خربتوا البلد” المصرية، وجوه آخرى تطل عليك في المشهد المقدسي ذلك اليوم هم المثبطون، باختلاف دوافعهم: اليأس، قلة الوعي، أو حتى العمالة. ما كاد يقول صاحبنا جملته عن “جدعنة البنت”، حتى ظهر آخر بعيون حمراء محاولا تثنية الشباب عن المواجهة بالهتاف والاعتصام، فيقول :”يا شباب، يعني فهموني شو راح نستفيد من الهتاف، أبسط شي بيسحبونا ع الشرطة”. لم يرد عليه أحدٌ إلا هي! نعم هي نفسها قالت بوعي من عارك السياسة فترة من الزمن :”احنا بنعملش اشي غلط، احنا بنعبر عن رأينا، وكلامك خليه إلك!”.

نوع آخر من المثبطين، هذه المرة امرأة كبيرة السن، قالت وهي تثني امرأة شابة تواجه المستوطنين وتطلق التكبيرات في وجوههم: “فش حدا بينفعك، اللي بتعمليه ع الفاضي، فش اله داعي”. الفردية تبدو في أوجها في كلام السيدة كبيرة السن، تفكر بيأس السنين: من سينصر تلك المرأة التي تكبر لو اعتقلت؟ ترد عليها بكلام كثير سمعت منه: “يعني نضل ساكتين أحسن؟؟ لوقتيش؟!”. هذا ناهيك عن كلمات ترمى هنا وهناك عن اندساس العملاء والمستعربين بين المقدسيين، وتخويف الناس من التجمع.

تذكرتُ حركة “كفاية” المصرية التي تظاهرت بأعداد متواضعة لسنوات طويلة وسط تثبيط الجميع: هو المظاهرات حتنفع في ايه؟ هو الاحتجاج بجيب نتيجة؟ كانت الأيام وحدها أصدق اجابة على هذه الأسئلة. لكن الحمد لله … حتى اللحظة لا وجود لـ”كنتاكي” مقدسي.

يهود.. ولكن مع فلسطين

وجوه آخرى مختلفة لا يمكن إغفالها في المشهد، مجموعة من اليهود المناهضين لإسرائيل، شباباً وشيوخاً، جاءوا مسلحين باللافتات التي تدعو إلى “تحرير فلسطين”، وبكاميراتهم الفيديو ترصد الحدث. أحدهم رفع لافتة بالعبرية تقول: “يوم القدس ليس عيدي!”. سألني خَجِلاً بعد أن التقطت صورة له :”هل تفهمين المكتوب؟”، قلت نعم، فقال: “أنا لا دخل لي بكل هذا!”. (الصورة أدناه).

أخرى رفعت لافتة تخاطب حرس الحدود والشرطة الاسرائيلية تطالبهم “بالخروج من فلسطين الآن”. آخر كان يلازم قوات الاحتلال وكلما اعتقلت شاباً صرخ في وجههم: أنتم لا تخجلون من أنفسكم! أنتم فاشيون! عودوا من حيث أتيتم، لماذا تعتقلونهم ولا تفعلون شيئاً مع استفزازات المستوطنين”. فناله الاعتقال هو الآخر (الصورة أدناه).

Protest against "Jerusalem Day", East Jerusalem, 20.05.2012

وجوه …!

على الجانب الآخر كانت وجوه مختلفة، أغلبهم صبية ومراهقون، يكفيك النظر في عيونهم الحاقدة لتسأل نفسك مئات المرات :”كيف تنازلنا وصافحنا؟ كيف رضينا؟”. أغلب المشاركين في مسيرة الرقص بالأعلام هم من أبناء المستوطنات في الضفة وداخل الأراضي المحتلة عام 1948، “الوطنية” عندهم عالية حد الجنون، وكره العرب لديهم من أساسيات الحياة. كان أحدهم يقف على السياج الحديدي الفاصل بين طرفي الشارع المقابل لباب العامود، يستهزأ بمن يقف مقابله من العرب: أنت الآن على الفيسبوك الخاص بي! كان يصور الشباب، بل وحتى الصحفيين، ويكرر جملته على كل واحد يصوره.. لم يوقفه أحد من عناصر الشرطة الاسرائيلية. في المقابل، كانت كلمة واحدة من فلسطيني تستفز الشرطة لتبعده عن الشارع.

(الصورة من تصوير سامر الشريف)

كانت تلك الوجوه “تسودُ” فرحاً بمجرد أن يعتقل الجيش شاباً فلسطينياً، فيعلو الهتاف والتصفير. هل هي مسيرة “احتفال” أم مسيرة “شماتة” و”شتائم”.. النبي عليه الصلاة والسلام لم يسلم من شتائم، العرب شبعوا من الدعوات لموتهم، الأصابع تعبت من كثرة ما رُفعت..
في مثل هذه الحال، تتعدد أساليب الرد..رأيت صبياً فلسطينياً يهز لهم بخصره ويمد لهم بلسانه، حتى هذا أزعجهم ولحقت به الشرطة!يرقصون ويهتفون للقدس .. هل يحبون القدس أكثر من الفلسطينيين والعرب؟

 

(الصورة من تصوير سامر الشريف)

وجوه غائبة

عُيّن قبل أيام وزير لشؤون القدس في حكومة سلام فياض، لم أره بين الوجوه، ولم أره في عدسات الصحفيين على مختلف مواقع الاخبار على الانترنت. لم أر أي “مسؤول” أو “قيادي” فلسطيني في الساحة، سواء من أولئك الذين ينتمون لأحزاب الضفة الغربية وغزة، أو أولئك الذين ينتمون لأحزاب الداخل الفلسطيني. لن أعدد الأسماء، سيعتب عليّ فلان، وسيصنفني آخر. ستختلف مبرراتهم وحججهم، لكن الشارع هو الشاهد، لقد خلى منهم، رفعت صور القدس في مكاتبهم لكنها لم ترفعهم في تاريخها ذلك اليوم. بل حتى التصريحات الرنانة انعدمت في ذلك اليوم! هل رأى أحد منكم تصريحاً واحداً..دلوني رجاءً.

إلى اللقاء مع وجوه جديدة .. بنور الحرية.

ملاحظة: هذه ليست كل تفاصيل اليوم المشحون بطبيعة الحال. فالتفاصيل تحتاج الكثير لسردها.

(1) سبق هذا التجمع العشوائي البسيط تجمعٌ آخر شارك فيه عدد أكبر من الفلسطينيين وتم قمعهم واعتقال عدد منهم.

Advertisements

4 أفكار على ”وجوه في القدس المحتلة

  1. لسه محتاجين وقت …
    الاحباط واليأس زي ما قلتي يا هنادي تقريبا مصابين به ابناء الجيل الاكبر كلهم ..
    وجيلنا لسه بيتعلم , وبيجرب , ومحتاج وقت

    عيوني دمّعوا من وصفك لردود أفعال (المثبطين) .. هما هما وين ما كان .. وكونك ذكرتي مصر .. يبقى ما لازم نيأس
    بس احنا محتاجين شوية وقت …..

  2. شكراً لكم، عاصم، وصلاح، وعلا.
    أردت من هذه التدوينة نقل الواقع كما هو، بعيداً عن تزيين بعض “القادة”، وتكتم بعض وسائل الاعلام.
    هذا هو الواقع كما يعاش.. وإذا لم ندركه لن نستطيع التصدي له وتطويعه لصالحنا.

    شكرا على كلماتكم المشجعة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s