القدس ومعركة الوجود العربي: المهرجانات أنموذجاً والطعام سلاحاً

انتقدتُ على صفحة الفيسبوك مهرجاناً أقامته جمعية فلسطينية مقدسية تدعى جمعية التنمية والثقافة العربية، بالتعاون مع رجال أعمال فلسطينيين، وأعلنت فيه عن أطول مائدة طعام عضوي خالٍ من اللحوم تم تسجيلها في موسوعة غينيس. أوجه الانتقاد مختلفة، منها كلمة استوقفتني في الأخبار المتناقلة عن هذا الحدث، تقول أنه يأتي في سياق “تعزيز صمود المقدسيين”. قيل كذلك حسب وسائل الاعلام أن الفعالية تأتي “بهدف ابراز الثقافة الفلسطينية في القدس والتصدي لسياسات طمس عروبة المدينة المقدسة واضعاف الوجود العربي فيها”.

لا أفهم صراحة، كيف ساهمت تلك المائدة أو ذلك المهرجان بشكل عام في تعزيز صمود المقدسيين. هل تم التصدي لسياسة هدم البيوت عبر هذا المهرجان؟ هل تم التخفيف من معاناة العائلات المقدسية الممزقة ما بين مركز المدينة وما بين الأحياء خلف الجدار؟ رجاء، حددوا لي بالضبط كيف تعزز صمود المقدسيين؟! كيف تم التصدي لسياسات طمس عروبة المدينة المقدسة؟! طيب بالنسبة للوجود العربي، هل ساهمت بتقويته عبر صحون الطعام فتهافت العرب مباشرة عليها فتقوى الوجود العربي، مثلاً؟

هي واحدة من اثنتين: يا اما بستهبلوا علينا؟ يا اما وسائل الاعلام كذابة وبتألف من عندها وبتصف كلام.

ربما يقول البعض لقد رفعنا اسم القدس عالياً في موسوعة غينيس.. حسناً.. عفارم عليكم. لكن ماذا يعني ذلك؟ أصبحت الآن موسوعة غينيس تعرف أن القدس انتجت أطول مائدة طعام عضوي في العالم؟ هل هذا ما تحتاج القدس أن يعرف عنها؟ هل عرف عن القدس عالمياً ما تعيشه يومياً؟ هل عرف عنها قصص أمل وتحدي وصبر واضطهاد أخرى تنسجها حياة المقدسيين يومياً؟!

أرجو أن لا افهم خطأ.. أنا لا أقلل من الحدث، بل هو كما قال البعض يُحسب كإنجاز “علمي” للمقدسيين في الوقت الذي تتصاعد فيه النقاشات حول البيئة ونوعية الغداء الذي نتناوله. وليس من حقنا كبت طاقات وابداعات المقدسيين بدعوى أن هناك أمور أخرى تستحق. أنا معك أنه يمكن تناوله من هذه الزاوية، زاوية أنه “انجاز علمي وسط حالة الحصار على القدس”، ولكن يحق لي في ذات الوقت محاولة قراءة هذه النشاطات في السياق المقدسي العام، والسؤال: ماذا بعد؟

سأتجاوز مائدة الطعام العظيمة التي دخلت غينيس، وسأحاول أن أمحي من عقلي كل التخيلات التي راودتني حول تكاليف هذه المائدة، وماذا كانت هذه التكاليف ستفعل لو ذهبت لمسار آخر، وتفكيري بنسبة الفقر التي وصلت 78% في القدس، وتخيلاتي عن مصدر الطعام الذي استخدم فيها، يا ترى هل هو منتجات فلسطينية أم استيطانية أم خليط من هنا وهناك. سأتجاوز كل هذه الأفكار، وسأصفي النية، وأنسى مائدة الطعام وغينيس بعض الشيء، وأفكر كالتالي:

لا أظن أن أحداً يعارض إقامة مهرجانات ثقافية في القدس، فالقدس كما قيل ألف مرة من قبل محاصرة، ثقافياً، سياسياً، علمياً، اجتماعياً، اقتصادياً، وسمِّ ما شئت مما لديك على هذا المنوال. ولا أظن أن هناك من يعارض إقامة نشاطات وطنية تنعش الحياة في القدس وتمد المقدسي بأسباب البقاء والثبات. كل ذلك مطلوب وعلى العين والراس. ولا جدال على أن للمقدسي احتياجات حسية، وأن الاحتلال يجب أن لا يوقف حياته، بل على العكس، قمة الصمود أن يتحدى الإنسان الظروف من حوله ليبدع ويحقق كما لو كان متنعماً بالحرية، فلا يقول عاقل مثلاً : لا نحتفل بأعراسنا مثلاً لأننا تحت الاحتلال، لأن ذلك ببساطة “هبل” واستسلام.

 لكني بت أشعر بتوجس وتوجع من تكرار هذه المهرجانات وتكرار مشاهدها، أكل فلسطيني، دبكة، عزف، فقرات فنية متكررة. السؤال الذي يخطر على بالي: “هو احنا خلصنا كل مشاكلنا، مضلش إلا الثقافة؟ يعني هو فعلا تراثنا المقدسي مهدد لهدرجة التي تستدعي مهرجانات طويلة مكررة طوال السنة!”.

والله لست أقلل من قيمة الثقافة في حياتنا، فشعب بلا ثقافة وتراث شعب خاوي الروح. لكن لماذا نحاول إلباس كل فعالية بما لدينا من مخزون احتياطي من كلمات الوطنية والحفاظ على التراث، حتى باتت كل فعالية تهدف “إلى الحفاظ على التراث”. وما هي الثقافة أصلاً؟ هل هي مجرد تاريخ يتلخص بمخزون تراثي من أساليب الطهي وأنواع الملابس والتطريز والأهازيج.. أم هي حالة عامة تسود المجتمع تؤدي إلى انتاج المعرفة بكافة أصنافها؟ من الواجب الحتمي علينا كشعب تحت الاحتلال أن يعمل بكل جهوده على الحفاظ على موروثاته الثقافية ولكن هل المهرجانات هي السبيل الأمثل والأوحد؟ ستغني الفرقة بعضاً من أغاني التراث الفلسطيني ومن ثم يذهب كل مقدسي إلى بيته، وماذا بعد؟ ماذا عن الانسان المقدسي؟

تغريني هذه المهرجانات المكررة كذلك إلى السؤال: لماذا يشغلوننا بالتراث؟ لا أريد أن أسمي التراث قشوراً، معاذ الله،  ولكن “هو يعني احنا مش ناقصنا إلا التراث؟!”.. هل يعملون بمنطق “اشغلوهم بشيء من ريحة القضية، ليغفلوا عن لب القضية”؟
لا أفهم حقاً ما فائدة “المقلوبة الفلسطينية” مثلاً لعربي مضطهد منزوع الحريات والحقوق يعيش في القدس؟

جزء من الأجابة ربما يكمن في كوننا شعب يفتقد البوصلة في كثير من الأحيان، فلا برنامج ولا مشروع واضح لنا. فتتنا الهموم وفرقت همتنا، في ظل انشغال قيادييه في اللقاءات والمصافحات والمصالح.

———

لقد استفزني أكثر من هذا الحدث نفسه، وصف قرأته لكاتب اسمه جميل السلحوت يقول عن الحدث أنه “برهان جديد على أن المدينة لا تقبل أن تكون إلّا عربية، فإذا كانت الطناجر والصحون والملاعق والمأكولات تؤكد من جديد أنها إرث حضاري لشعب الجبارين، فإن مساجد القدس وكنائسها وفي مقدمتها الأقصى الشريف وكنيسة القيامة، ومدارسها وأسواقها وزقاقات، وأبنيتها التاريخية وسورها العظيم ، وكل حجر فيها يشهد بأنه عربي، منذ بناها الملك اليبوسي ملكي صادق قبل ستة آلاف عام، والمائدة المقدسية الفلسطينية، ليست وليدة اليوم، بل وليدة بناة هذه الحضارة من الآباء والأجداد منذ القدم وحتى أيامنا هذه، والمطبخ الفلسطيني هو من يتقن صنع هذه المأكولات وليس غيره”.

لا يسعني التعليق كثيراً على كلامة لدرجة استفزازه العالية، لكن لا يا سيدي، القدس ليست بحاجة إلى الطناجر والصحون والملاعق لتثبت عروبتها.. القدس بحاجة إلى الإنسان ليثبت هذه العروبة، وإلى أفعال هذا الانسان. إذا لم تحافظ على مقومات بقاء الانسان ستموت الثقافة وسيندحر التراث..أما إذا حافظت على الطناجر والملاعق فلن تحافظ إلا على الكروش والمناصب.

ختاماً، من المؤلم جدا أن ترى “قيادات” مقدسية تتصدر هذا المهرجان للمساهمة في “معركة الوجود العربي المصيري” في القدس، ولكنك لم تر أياً منها يوم الأحد 20 أيار يوم أن وقف المقدسيون وحدهم ليتصدوا لمسيرات المستوطنين في ذكرى احتلال المدينة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s