في النقب.. هل تطال بركة “زنة” أزمنة القهر؟

שمُتجهاً نحو الجنوب في شارع مستقيم، على يمينك ويسارك مساحات مفتوحة واسعة يمتد فيها بصرك ويجول براحته، ركّز جيداً لتجد مدخل القرية التي تبحث عنها، فليست مستوطنة إسرائيلية تدّلك عليها اللافتات الكثيرة هنا وهناك، وقد لا تعينك على إيجادها تطبيقاتُ الهواتف الذكية.

على طريق غير مُعبّدة، تعلو بك وتنخفض، تحرك مقود سيارتك بخفة حتى تتجنب حجراً هنا أو حفرة هناك، حتى تصل إلى قرية “خشم زنة” في النقب، 15 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة بئر السبع.

في بيت بسيط استقبلنا عطية العثامين، رئيس اللجنة المحلية للقرية. وفي قاعة مبنية من حجارة تبدو خفيفة ومسقوفة بالزينجو جلسنا. زيّن عطية قاعته تلك التي يستقبل بها وفوداً متضامنة أو سياحاً أجانب بتشكيلة من النسيج البدوي الذي تشتهر بحياكته نساء النقب.

14n

خشم زنة، هي قرية عربية فلسطينية في النقب، وبينما لا تعترف بها السلطات الإسرائيلية كقرية، وتحرمها من الخدمات، يحلو لعطية أن يُلقبها بالقرية “التاريخية”، ويروي بشغف حكاية جدّه الخامس عيّاد بن عثمان الذي وصل إليها قبل مئات السنين.

من أين جاء جدّك؟ يجيب عطية: “من التيه.. من سيناء”، ثمّ يستدرك ضاحكاً :”مَحنّا يهود!” أي لسنا يهوداً. يكمل عطية: “يقولون إنه كانت هناك مجاعة في السعودية واليمن في قديم الزمان، وبدأ الناس يهاجرون إلى سيناء وهناك تاهوا، وتوزعت العشائر في مناطق مختلفة، ونحن وصلنا إلى فلسطين”.

عن سبب التسمية حدثنا: “الخشم يعني الأنف، والمقصود هنا أنف الجبل، أي طرفه، أما زنة، فالرواية تقول إنه كانت في طرف ذلك الجبل المحاذي للقرية صومعة لرجل صالح اسمه زنة، وكانت الناس تزوره وتتبرك منه، كانت المرأة التي تلد في أول مشوار تخرج فيه من بيتها تتوجه لهذا الشيخ، ومن هنا جاء الاسم”.

أُوقِفُه عن حديثه مبتسمة لأسأله عن كلمات بدوية قالها ولم أفهمها. يقول عطية إن جدّه الخامس وصل هنا وبدأ “يكرّم” أي يزرع الأرض ويعتني بها. قالوا لنا – إجحافاً – ذات مرة  في كتب الجغرافيا أن كل ما في النقب “صحراء قاحلة” وحسب. لكن جدّ عطية كان يزرع الأرض، ويحفر الآبار ويُشغّل عنده العمال.

تشعر وأنت في ضيافة النقب أنك “تتثقف” عن الحياة أكثر، لست فقط في مهمة انجاز مادة صحفية تقليدية، لست تتعلم أكثر عن التاريخ فحسب، بل عن “صناعة التاريخ” بنموذج بدوي عنيد من الصمود أمام محاولات أقل ما يقال عنها أنها “اقتلاع”.

عطية العثامين رئيس اللجنة المحلية لقرية خشم زنة
عطية العثامين رئيس اللجنة المحلية لقرية خشم زنة

التواصل الفلسطيني.. أحد أعداء “إسرائيل”

نترك الحديث الممتع عن الذكريات والتاريخ العائلي، لنتحدث عن الحياة تحت الاحتلال. من المعروف إنه منذ احتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 عمدت “إسرائيل” إلى تقطيع أوصال ما تبقى من المدن والقرى الفلسطينية التي لم تُطهر عرقياً، في محاولة لمنع التواصل بين أبناء الشعب الواحد. فُرِضَ على الفلسطينيين في الداخل الحكمُ العسكريّ، وكان التنقل بين القرى والمدن أمراً غير سهل البتة.

يروي عطية إنهم كانوا في القرى البدوية حول بئر السبع ممنوعين من دخولها إلا بتصريح، ويروي عن رجال القرية الذين كانوا يبحثون عن عمل في عسقلان ولم يكن يٌسمح لهم بالدخول إلا بتصريح يحتاج أحياناً إلى 4 شهور للحصول عليه من قبل سلطات الاحتلال.

وفي محاولة لعزل بدو النقب بالذات عن عمقهم الفلسطيني في شمال فلسطين المحتلة، لم يكن يسمح لهم بالتوجه نحو المثلث والجليل إلا بتصريح حتى انتهاء فترة الحكم العسكري.

وبطبيعة الحال انقطع التواصل مع الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، ومع غزة التي حكمت من مصر حتى هزيمة 1967. وهنا يصدق القول شرّ البلية ما يضحك أو ما يُفرح، فقد كان احتلال الضفة والقطاع عام 1967 مناسبة حزينة لتحقيق أمنية عزيزة. تعرّف بدو النقب ومعهم أهالي الداخل من جديد على أهاليهم في الضفة والقطاع، ليعوضوا سنوات من القطيعة المفروضة عليهم، يصف عطية ذلك: “أصبحت الناس تعرف بعضها”.

مشهد عام في القرية
مشهد عام في القرية

 خشم زنة اليوم

يعيش في خشم زنة اليوم 2300 بدويّ فلسطيني على مساحة 25 كم مربع، وهي إحدى القرى البدوية الأربعين غير المعترف بها من قبل السلطات الإسرائيلية. عدم الاعتراف بقرية يعني في عرف “قانون الاحتلال” إنها غير شرعية وأن التواجد السكاني فيها غير قانوني، مما يجعل بيوتها تعيش تحت رحمة ما أسماه عطية “كابوس الهدم”. هذا يعني أيضاً أنها محرومة من الخدمات مثل الماء والمدارس.

هذه القرى البدوية غير المعترف بها هي موضع نقاش مخطط برافر- بيغن الإسرائيلي الذي يهدف لحصر “أكبر عدد من العرب على أقل مساحة جغرافية”. بمعنى آخر، تفريغ هذه القرى وتهجير أهلها وجمعهم في تجمعات سكانية محددة قريبة من بعضها البعض، لمنع توزعهم على مساحات واسعة من الأراضي. في المقابل، تخطط “إسرائيل” لاستغلال هذه الأراضي للمنشآت العسكرية ولبناء مستوطنات يهودية جديدة وشوارع.

على سبيل المثال، تخطط سلطات الاحتلال لبناء مستوطنة يهودية باسم “حيران” فوق أراضي أم الحيران وهي قرية فلسطينية بدوية بمحاذاة الخطّ الأخضر بالقرب من محافظة الخليل. وعلى جزء من أراضي خشم زنة يُخطط لشق امتداد لشارع رقم 6 الذي يصل الشمال بالجنوب في فلسطين المحتلة. شق هذا الامتداد سيكون على حساب أراضي وبيوت عائلات بدوية مثل أبو غنيمة والعثامين ستُهجر من خشم زنة.

المياه كسلاح للتهجير

يذكر مركز عدالة – وهو  مركز حقوقي في الداخل تتابع قضايا القرى البدوية في النقب – إن الحكومة الإسرائيلية كثفت خلال العام الماضي 2012 من استخدام المياه كسلاح لتهجير بدو النقب. ويقول المركز في إحدى منشوراته إن السلطات الإسرائيلية تضع عقبات أمام حصول سكان هذه القرى على المياه للاستخدام الزراعي بشكل خاص، فيما يعد وسيلة للتهجيرـ خاصة أن الزراعة هي مصدر الرزق الرئيسي لأهالي القرى.

عن مشكلة المياه في القرى غير المعترف بها يقول عطية: “كأنهم يقولون لنا: اشربوا ما يكفي لتعيشوا وفقط، ولكن ممنوع تزرعوا”. ويضيف عطية: “من عام 1948 وحتى عام 1985 كنا ننقل المياه إلى القرية على الحمير إما من الآبار القريبة أو من نقطة مياه كانت تبعد عنها 3 كيلومتر”.

ولكن بعد أن تكاثر الناس في القرية، ازدادت محاولات الضغط على السلطات الإسرائيلية للحصول على نقطة مياه أقرب.. يقول عطية:”هذه هي الخدمة الوحيدة التي قدمت لنا على استحياء، في العام 1985 كانت أول ماسورة مياه فتحت عندنا في القرية”.

ويذكر عطية إن سلطات الاحتلال رفعت سعر المياه العام الماضي بنسبة 67%، فالكوب الواحد ارتفع سعره من 6 شيكل إلى 10.5 شيكل في محاولة للضغط على سكان القرى لترحيلهم. في المقابل، يدفع اليهودي في المستوطنة القريبة 2.1 شيكل فقط للكوب الواحد.

وترى “عدالة” إن رفع أسعار المياه لم يكن محض صدفة، فهي خطوة للتضييق على السكان ضمن مخطط برافر، وحسر المياه هو مقدمة لتطبيق خطط أكبر.

الطاقة الشمسية بديل مكلف جدا للكهرباء - صورة من قرية زرنوق غير المعترف بها
الطاقة الشمسية بديل مكلف جدا للكهرباء – صورة من قرية زرنوق غير المعترف بها

أما عن الكهرباء، يستخدم أهل القرية الطاقة الشمسية ولكن عملية تركيب أدواتها وصيانتها تكلف الكثير من المال، مما يجعل استخدامها محصوراً في عائلات قليلة. أما الآخرون فسيتخدمون المولدت الكهربائية، التي تسبب تلوثاً وضجيجاً، وهي أيضاً تكلف غاليا لارتفاع سعر الوقود.

عائلة عطية تستخدم الكهرباء لساعات محدودة من الليل لا تزيد عن الثلاث. “الكهرباء اليوم عمود الحياة، لا نستطيع أن نفتح مصلحة تجارية، يختلف الأطفال على قناة التلفزيون التي سيشاهدونها في هذه الثلاث ساعات، الثلاجة تكاد تكون غير مفيدة، حفظ الأدوية يتأثر”.. هذه بعض تجليات غياب الكهرباء كما يذكرها عطية.

يوميات الحياة العائلية .. مدارس وتطبب

يخبرنا عطية أن أطفال القرى البدوية غير المعترف بها والتي تغيب فيها العيادات الطبية قد ينهون تطعيماتهم خلال خمس سنوات بدلاً من سنتين كباقي الأطفال. إذ يضطر الأهالي إلى السفر لمسافة 15 كم للوصول لبئر السبع للحصول على التطعيم، لغياب العيادات في معظم القرى. وهذا السفر قد يتعذر في حال غياب الأب في العمل وعدم وجود سيارة، خاصة في ظل انعدام المواصلات الميسرة بين القرى وبئر السبع.

كما تفتقر هذه القرى في معظمها إلى المدارس والروضات، إذ يتعذر على الأهالي بناء المدارس بأنفسهم في حين تمتنع السلطات الإسرائيلية عن بنائها بحجة أن القرى غير معترف بها. هذا يعني أن معظم الأولاد لا يرون المدرسة إلا في سن السادسة لدخول الصف الأول، ولا يعرفون ما هي الروضات، مما قد يؤثر مستقبلاً على تحصيلهم التعليمي.

في قرية خشم زنة يسافر بشكل يومي أكثر من 600 طالب وطالبة في 12 حافلة تقلهم إلى مدرسة في التجمع السكاني “أبو تلول” الذي يبعد 8 كم مربع. تكلف هذه الحافلات سنوياً ميزانية وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية ما يقارب 8 مليون شيكل، المبلغ الذي يقول عنه عطية إنه يكفي لبناء مدرسة تستوعبهم في قرية خشم زنة.

حفيد عطية.. عنادة في الملامح
حفيد عطية.. عنادة في الملامح

طموح حذر .. فالقادم أصعب

عطية والجدّ لعدد من الأطفال لم ينه تعليمه المدرسي، والهموم التي يحملها عن أكتاف قريته كثيرة، لكنه صاحب طموح واضح، تعكس ذلك رغبته في التعلم. ذكر لنا أنه تلقى تدريباً في الاسعافات الأولية، والتحق بدورات في الإدارة والاستشارة التنظيمية. يخبرنا  أنه اتفق مع طالبة أمريكية، تدرس في جامعة “بن غوريون” الإسرائيلية، استأجرت منه غرفة تعيش فيها هي وزوجها، أن تخصص من وقتها لتعليم أطفال القرية اللغة الإنجليزية. ليس هذا فقط، يقدم عطية وجبات للزائرين ويوفر خدمة المبيت لم يحتاج منهم فيما يشبه النزل البسيط، يغالب بربحه بعضاً من نكد الحياة.

سؤالنا التقليدي – نحن الصحفيون – الذي نكرره في كل حكاية فلسطينية شبيهة، ماذا بعد، هل سترحل إلى تجمع سكاني قد يعدونه لك بعيداً عن قريتك الأصلية؟ يرد مباشرة: هل تعرفين أن هنالك اليوم هجرة عكسية من تلك التجمعات السكانية السبع التي بنتها “إسرائيل” لترحيل البدو باتجاه القرى غير المعترف بها؟ أي انهم لا يتركون القرى المهددة بالهدم بل يعودون إليها.

يرجع عطية للسؤال ليقول: “حِنّا متوقعين الأصعب”. هنا قريتنا، وهنا تعودنا وهنا زرعنا وربينا المواشي.. وهنا نريد أن نبقى.. لكننا نعرف أن القادم أصعب، فآخر ما يهم “إسرائيل” هو مصلحتنا.

*الصور بعدسة: أنس أبو دعابس وصفاء خطيب

نشر في موقع شبكة قدس بتاريخ 24 نيسان 2014 :

مُتجهاً نحو الجنوب في شارع مستقيم، على يمينك ويسارك مساحات مفتوحة واسعة يمتد فيها بصرك ويجول براحته، ركّز جيداً لتجد مدخل القرية التي تبحث عنها، فليست مستوطنة إسرائيلية تدّلك عليها اللافتات الكثيرة هنا وهناك، وقد لا تعينك على إيجادها تطبيقاتُ الهواتف الذكية.

على طريق غير مُعبّدة، تعلو بك وتنخفض، تحرك مقود سيارتك بخفة حتى تتجنب حجراً هنا أو حفرة هناك، حتى تصل إلى قرية “خشم زنة” في النقب، 15 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة بئر السبع.

في بيت بسيط استقبلنا عطية العثامين، رئيس اللجنة المحلية للقرية. وفي قاعة مبنية من حجارة تبدو خفيفة ومسقوفة بالزينجو جلسنا. زيّن عطية قاعته تلك التي يستقبل بها وفوداً متضامنة أو سياحاً أجانب بتشكيلة من النسيج البدوي الذي تشتهر بحياكته نساء النقب.

14n

خشم زنة، هي قرية عربية فلسطينية في النقب، وبينما لا تعترف بها السلطات الإسرائيلية كقرية، وتحرمها من الخدمات، يحلو لعطية أن يُلقبها بالقرية “التاريخية”، ويروي بشغف حكاية جدّه الخامس عيّاد بن عثمان الذي وصل إليها قبل مئات السنين.

من أين جاء جدّك؟ يجيب عطية: “من التيه.. من سيناء”، ثمّ يستدرك ضاحكاً :”مَحنّا يهود!” أي لسنا يهوداً. يكمل عطية: “يقولون إنه كانت هناك مجاعة في السعودية واليمن في قديم الزمان، وبدأ الناس يهاجرون إلى سيناء وهناك تاهوا، وتوزعت العشائر في مناطق مختلفة، ونحن وصلنا إلى فلسطين”.

عن سبب التسمية حدثنا: “الخشم يعني الأنف، والمقصود هنا أنف الجبل، أي طرفه، أما زنة، فالرواية تقول إنه كانت في طرف ذلك الجبل المحاذي للقرية صومعة لرجل صالح اسمه زنة، وكانت الناس تزوره وتتبرك منه، كانت المرأة التي تلد في أول مشوار تخرج فيه من بيتها تتوجه لهذا الشيخ، ومن هنا جاء الاسم”.

أُوقِفُه عن حديثه مبتسمة لأسأله عن كلمات بدوية قالها ولم أفهمها. يقول عطية إن جدّه الخامس وصل هنا وبدأ “يكرّم” أي يزرع الأرض ويعتني بها. قالوا لنا – إجحافاً – ذات مرة  في كتب الجغرافيا أن كل ما في النقب “صحراء قاحلة” وحسب. لكن جدّ عطية كان يزرع الأرض، ويحفر الآبار ويُشغّل عنده العمال.

تشعر وأنت في ضيافة النقب أنك “تتثقف” عن الحياة أكثر، لست فقط في مهمة انجاز مادة صحفية تقليدية، لست تتعلم أكثر عن التاريخ فحسب، بل عن “صناعة التاريخ” بنموذج بدوي عنيد من الصمود أمام محاولات أقل ما يقال عنها أنها “اقتلاع”.

عطية العثامين رئيس اللجنة المحلية لقرية خشم زنة
عطية العثامين رئيس اللجنة المحلية لقرية خشم زنة

التواصل الفلسطيني.. أحد أعداء “إسرائيل”

نترك الحديث الممتع عن الذكريات والتاريخ العائلي، لنتحدث عن الحياة تحت الاحتلال. من المعروف إنه منذ احتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 عمدت “إسرائيل” إلى تقطيع أوصال ما تبقى من المدن والقرى الفلسطينية التي لم تُطهر عرقياً، في محاولة لمنع التواصل بين أبناء الشعب الواحد. فُرِضَ على الفلسطينيين في الداخل الحكمُ العسكريّ، وكان التنقل بين القرى والمدن أمراً غير سهل البتة.

يروي عطية إنهم كانوا في القرى البدوية حول بئر السبع ممنوعين من دخولها إلا بتصريح، ويروي عن رجال القرية الذين كانوا يبحثون عن عمل في عسقلان ولم يكن يٌسمح لهم بالدخول إلا بتصريح يحتاج أحياناً إلى 4 شهور للحصول عليه من قبل سلطات الاحتلال.

وفي محاولة لعزل بدو النقب بالذات عن عمقهم الفلسطيني في شمال فلسطين المحتلة، لم يكن يسمح لهم بالتوجه نحو المثلث والجليل إلا بتصريح حتى انتهاء فترة الحكم العسكري.

وبطبيعة الحال انقطع التواصل مع الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، ومع غزة التي حكمت من مصر حتى هزيمة 1967. وهنا يصدق القول شرّ البلية ما يضحك أو ما يُفرح، فقد كان احتلال الضفة والقطاع عام 1967 مناسبة حزينة لتحقيق أمنية عزيزة. تعرّف بدو النقب ومعهم أهالي الداخل من جديد على أهاليهم في الضفة والقطاع، ليعوضوا سنوات من القطيعة المفروضة عليهم، يصف عطية ذلك: “أصبحت الناس تعرف بعضها”.

مشهد عام في القرية
مشهد عام في القرية

 خشم زنة اليوم

يعيش في خشم زنة اليوم 2300 بدويّ فلسطيني على مساحة 25 كم مربع، وهي إحدى القرى البدوية الأربعين غير المعترف بها من قبل السلطات الإسرائيلية. عدم الاعتراف بقرية يعني في عرف “قانون الاحتلال” إنها غير شرعية وأن التواجد السكاني فيها غير قانوني، مما يجعل بيوتها تعيش تحت رحمة ما أسماه عطية “كابوس الهدم”. هذا يعني أيضاً أنها محرومة من الخدمات مثل الماء والمدارس.

هذه القرى البدوية غير المعترف بها هي موضع نقاش مخطط برافر- بيغن الإسرائيلي الذي يهدف لحصر “أكبر عدد من العرب على أقل مساحة جغرافية”. بمعنى آخر، تفريغ هذه القرى وتهجير أهلها وجمعهم في تجمعات سكانية محددة قريبة من بعضها البعض، لمنع توزعهم على مساحات واسعة من الأراضي. في المقابل، تخطط “إسرائيل” لاستغلال هذه الأراضي للمنشآت العسكرية ولبناء مستوطنات يهودية جديدة وشوارع.

على سبيل المثال، تخطط سلطات الاحتلال لبناء مستوطنة يهودية باسم “حيران” فوق أراضي أم الحيران وهي قرية فلسطينية بدوية بمحاذاة الخطّ الأخضر بالقرب من محافظة الخليل. وعلى جزء من أراضي خشم زنة يُخطط لشق امتداد لشارع رقم 6 الذي يصل الشمال بالجنوب في فلسطين المحتلة. شق هذا الامتداد سيكون على حساب أراضي وبيوت عائلات بدوية مثل أبو غنيمة والعثامين ستُهجر من خشم زنة.

المياه كسلاح للتهجير

يذكر مركز عدالة – وهو  مركز حقوقي في الداخل تتابع قضايا القرى البدوية في النقب – إن الحكومة الإسرائيلية كثفت خلال العام الماضي 2012 من استخدام المياه كسلاح لتهجير بدو النقب. ويقول المركز في إحدى منشوراته إن السلطات الإسرائيلية تضع عقبات أمام حصول سكان هذه القرى على المياه للاستخدام الزراعي بشكل خاص، فيما يعد وسيلة للتهجيرـ خاصة أن الزراعة هي مصدر الرزق الرئيسي لأهالي القرى.

عن مشكلة المياه في القرى غير المعترف بها يقول عطية: “كأنهم يقولون لنا: اشربوا ما يكفي لتعيشوا وفقط، ولكن ممنوع تزرعوا”. ويضيف عطية: “من عام 1948 وحتى عام 1985 كنا ننقل المياه إلى القرية على الحمير إما من الآبار القريبة أو من نقطة مياه كانت تبعد عنها 3 كيلومتر”.

ولكن بعد أن تكاثر الناس في القرية، ازدادت محاولات الضغط على السلطات الإسرائيلية للحصول على نقطة مياه أقرب.. يقول عطية:”هذه هي الخدمة الوحيدة التي قدمت لنا على استحياء، في العام 1985 كانت أول ماسورة مياه فتحت عندنا في القرية”.

ويذكر عطية إن سلطات الاحتلال رفعت سعر المياه العام الماضي بنسبة 67%، فالكوب الواحد ارتفع سعره من 6 شيكل إلى 10.5 شيكل في محاولة للضغط على سكان القرى لترحيلهم. في المقابل، يدفع اليهودي في المستوطنة القريبة 2.1 شيكل فقط للكوب الواحد.

وترى “عدالة” إن رفع أسعار المياه لم يكن محض صدفة، فهي خطوة للتضييق على السكان ضمن مخطط برافر، وحسر المياه هو مقدمة لتطبيق خطط أكبر.

الطاقة الشمسية بديل مكلف جدا للكهرباء - صورة من قرية زرنوق غير المعترف بها
الطاقة الشمسية بديل مكلف جدا للكهرباء – صورة من قرية زرنوق غير المعترف بها

أما عن الكهرباء، يستخدم أهل القرية الطاقة الشمسية ولكن عملية تركيب أدواتها وصيانتها تكلف الكثير من المال، مما يجعل استخدامها محصوراً في عائلات قليلة. أما الآخرون فسيتخدمون المولدت الكهربائية، التي تسبب تلوثاً وضجيجاً، وهي أيضاً تكلف غاليا لارتفاع سعر الوقود.

عائلة عطية تستخدم الكهرباء لساعات محدودة من الليل لا تزيد عن الثلاث. “الكهرباء اليوم عمود الحياة، لا نستطيع أن نفتح مصلحة تجارية، يختلف الأطفال على قناة التلفزيون التي سيشاهدونها في هذه الثلاث ساعات، الثلاجة تكاد تكون غير مفيدة، حفظ الأدوية يتأثر”.. هذه بعض تجليات غياب الكهرباء كما يذكرها عطية.

يوميات الحياة العائلية .. مدارس وتطبب

يخبرنا عطية أن أطفال القرى البدوية غير المعترف بها والتي تغيب فيها العيادات الطبية قد ينهون تطعيماتهم خلال خمس سنوات بدلاً من سنتين كباقي الأطفال. إذ يضطر الأهالي إلى السفر لمسافة 15 كم للوصول لبئر السبع للحصول على التطعيم، لغياب العيادات في معظم القرى. وهذا السفر قد يتعذر في حال غياب الأب في العمل وعدم وجود سيارة، خاصة في ظل انعدام المواصلات الميسرة بين القرى وبئر السبع.

كما تفتقر هذه القرى في معظمها إلى المدارس والروضات، إذ يتعذر على الأهالي بناء المدارس بأنفسهم في حين تمتنع السلطات الإسرائيلية عن بنائها بحجة أن القرى غير معترف بها. هذا يعني أن معظم الأولاد لا يرون المدرسة إلا في سن السادسة لدخول الصف الأول، ولا يعرفون ما هي الروضات، مما قد يؤثر مستقبلاً على تحصيلهم التعليمي.

في قرية خشم زنة يسافر بشكل يومي أكثر من 600 طالب وطالبة في 12 حافلة تقلهم إلى مدرسة في التجمع السكاني “أبو تلول” الذي يبعد 8 كم مربع. تكلف هذه الحافلات سنوياً ميزانية وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية ما يقارب 8 مليون شيكل، المبلغ الذي يقول عنه عطية إنه يكفي لبناء مدرسة تستوعبهم في قرية خشم زنة.

حفيد عطية.. عنادة في الملامح
حفيد عطية.. عنادة في الملامح

طموح حذر .. فالقادم أصعب

عطية والجدّ لعدد من الأطفال لم ينه تعليمه المدرسي، والهموم التي يحملها عن أكتاف قريته كثيرة، لكنه صاحب طموح واضح، تعكس ذلك رغبته في التعلم. ذكر لنا أنه تلقى تدريباً في الاسعافات الأولية، والتحق بدورات في الإدارة والاستشارة التنظيمية. يخبرنا  أنه اتفق مع طالبة أمريكية، تدرس في جامعة “بن غوريون” الإسرائيلية، استأجرت منه غرفة تعيش فيها هي وزوجها، أن تخصص من وقتها لتعليم أطفال القرية اللغة الإنجليزية. ليس هذا فقط، يقدم عطية وجبات للزائرين ويوفر خدمة المبيت لم يحتاج منهم فيما يشبه النزل البسيط، يغالب بربحه بعضاً من نكد الحياة.

سؤالنا التقليدي – نحن الصحفيون – الذي نكرره في كل حكاية فلسطينية شبيهة، ماذا بعد، هل سترحل إلى تجمع سكاني قد يعدونه لك بعيداً عن قريتك الأصلية؟ يرد مباشرة: هل تعرفين أن هنالك اليوم هجرة عكسية من تلك التجمعات السكانية السبع التي بنتها “إسرائيل” لترحيل البدو باتجاه القرى غير المعترف بها؟ أي انهم لا يتركون القرى المهددة بالهدم بل يعودون إليها.

يرجع عطية للسؤال ليقول: “حِنّا متوقعين الأصعب”. هنا قريتنا، وهنا تعودنا وهنا زرعنا وربينا المواشي.. وهنا نريد أن نبقى.. لكننا نعرف أن القادم أصعب، فآخر ما يهم “إسرائيل” هو مصلحتنا.

*الصور بعدسة: أنس أبو دعابس وصفاء خطيب

نشر في موقع شبكة قدس بتاريخ 24 نيسان 2013 ضمن سلسلة يوميات المواجهة في النقب:  http://www.qudsn.ps/article/10674

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s