47 عاماً من دفع أثمان الصمود في القدس

نقلت هزيمة النكسة عام 1967، الشاعر السوري نزار قباني، من خانة الشعراء الذين يكتبون حصراً لـ”الحب والحنين”، إلى خانة أولئك الذين يكتبون “بالسّكين” على حدّ تعبيره في قصيدة “هوامش على دفتر النكسة”. بدا الألم الذي تركتْه الهزيمةُ الثانيةُ للعرب في نفسيّة الشاعر عميقاً، ولم يوفر في جلد الذات ولوم العرب، إلا أنه سرعان ما علّق حلمَ التغيير على أكتاف الأطفال “سنابل الآمال”. يُلخّصُ هذا الموقفُ الشعوريُّ حالةَ الكثير من الفلسطينيين في القدس المحتلة. فالمقدسيون متنقلون ما بين حالين: متألمٍ حزين مدرك بأن ساحات المعركة مع الاحتلال تضيق به يوماً بعد يوم، وأن ما مضى لن يعود، متحسراً على أمجاد العرب، وآخر يعرف ذلك الألم ولا ينكره، ولكنه يرى الصمود حتى الرمق الأخير أفضل من الاستسلام والشكوى. أياً كانت حالة الفلسطيني في القدس، فإنه يدفع ثمن وجوده وصموده فيها، وكأنّ آلة إلكترونية تحسب له “الزمن” الذي يقضيه فيها وتُغرّمه بالدقيقة.

خطر ديموغرافي

صادرت سلطات الاحتلال عام 1967، أكثر من 70 ألف دونم، وأصدرت قراراً بضمّ شرقي المدينة، وذلك يعني فرض القوانين الإسرائيلية عليها، بعكس قوانين الحكم العسكري التي فرضت في الضفة والقطاع، وكأنها الجزء “المكمل” لغربي القدس التي احتلت عام 1948، وتكون بذلك “القدس الموحّدة عاصمة إسرائيل”.

ولا يليق بـ”العاصمة الأبدية للشعب الإسرائيلي”، أن تواجه خطراً ديموغرافياً عربياً، فوضعت الخطط لمواجهته، مستلهمة مقولة دافيد بن غوريون عقب حرب 67: يجب أن نجلب اليهود إلى شرقي القدس مهما كان الثمن… الشيء المهم أن يبقى اليهود هنا.

سارت غولدا مائير على الدرب نفسه، فأعلنت في العام 1973، أنه بحلول عام 1982، يجب أن يتضاعف عدد السكان اليهود في القدس بنسبة 3.7 في المئة. كان الهدف في حينها أن يحافظ الاحتلال على القسمة التالية: 70 في المئة يهود، 30 في المئة عرب.
إلا أن الرياح لم تأتِ على ما تشتهيه سفن إسرائيل، إذ يشير “معهد القدس للدراسات الإسرائيلية” (معهد إسرائيلي)، إلى أنه منذ عام 1967 وحتى عام 2012، تضاعف عدد الإسرائيليين في المدينة بنسبة 2.6 في المئة، بينما تضاعف عدد العرب بنسبة 4.4 في المئة. وفقاً لذلك، عُدّلت القسمة لتصبح أكثر واقعية بالمنظور الإسرائيلي: 60 في المئة يهود، و40 في المئة عرب. هكذا وضعت بلدية الاحتلال في القدس عام 2000 “خطتها الكبرى”، والتي كان أحد أهدافها الإبقاء على هذه القسمة الجديدة للحفاظ على “غالبية يهودية جوهرية في القدس”. وقد أعرب واضعو الخطّة عن قلقهم من أن ينهي التكاثر العربي “حصة اليهود في المدينة”.

الفلسطينيون في القدس

بلغة الأرقام، يُعدّ العدد الحقيقي للفلسطينيين في القدس المحتلة، أمراً لا تتفق عليه حتى المصادر الإسرائيلية؛ فبينما تقول دائرة الإحصاء المركزية الاسرائيلية إن عددهم في نهاية عام 2012 وصل إلى ما يقارب 300 ألف مقدسي، أي 37 في المئة من اجمالي سكان المدينة، يقول سجل السكان التابع لوزارة الداخلية الإسرائيلية، إن عددهم قارب 372 ألفاً في نهاية 2012، أي 39 في المئة من إجمالي عدد السكان. من جهة أخرى، يذكر مكتب تنسيق الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة، في نشرة له في ديسمبر/كانون الأول 2012، أن عدد الفلسطينيين في القدس يقارب الـ284 ألف.

ذلك الاختلاف في الأرقام، وإن كان بفارق صغير نسبياً، يعكس حالة من الضبابية ــ المقصودة ربما ــ حول العدد الحقيقي للفلسطينيين في القدس، وربما يعني كذلك صعوبة الحصول على الرقم الدقيق، في ظلّ حالة “وقف التنفيذ” التي يعيشها الفلسطينيون هناك. أياً يكن الرقم، فإن النساء هنا يعرفن أن أرحامهن ساحة معركة، وأن كل طفل عربي يسقط رأسه في القدس، هو خسارة في سجل السكان الإسرائيلي.

كيف تُحفظ “حصة اليهود” هذه؟ وكيف يسجل النصر لسجل السكان الإسرائيلي؟ الإجابة بسيطة والوسائل كثيرة: من خلال التضييق على العرب وسدّ الأفق في وجوههم بوسائل أكثر من كثيرة.

“الإقامة” في القدس… بقاء بثمن مرتفع

أبرز تلك الوسائل تتعلق بالمكانة القانونية التي وصفت فيها سلطات الاحتلال المقدسيين. كان عرب القدس قد رفضوا عام 67 حمل الجنسيّة الإسرائيليّة، واعتبروا من يقبل بها عميلاً. بديلاً عن ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال لهم “بطاقات إقامة” إسرائيلية، لا تعطيهم صفة “المواطنة”، كما هو الحال لدى فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948. ويمكن القول إن بطاقات الإقامة تلك، تشبه الإقامات التي تُعطى للموظفين المتغربين في دول العالم، إذ تنتهي صلاحيتها بانتهاء عقود عملهم، ورجوعهم إلى أوطانهم. لكن إلى أي وطن يرجع المقدسيون، وهم أهل البلد؟

حوّلت هذه المكانة القانونية التي استحدثتها سلطات الاحتلال، الإنسانَ الفلسطينيّ في القدس، من صاحب الأرض الذي سبق وجوده تاريخها، إلى مجرد “مقيم” وضع في خانة “الطارئ المؤقت”. يعني ذلك أيضاً أن المقدسي موجود بشكل دائم في دائرة التهديد بسحب صفة “المقيم” منه، وطرده من المدينة في حال أخلّ بأحد شروطها، كأن يسكن خارج تعريفات “الحدود الإسرائيلية”، رام الله مثلاً، أو أن يسافر للعمل في إحدى دول الخليج، كما هو الحال مع العديد من العائلات الفلسطينية. وقد سحبت الإقامة من أكثر من 14 ألفاً و300 مقدسي منذ العام 67 حتى يومنا هذا.

يجعل هذا التهديد المتعلق بالإقامة، الفلسطينيَّ في القدس مشغولاً في تدبير شؤون حياته اليومية، ساعياً إلى تحسين جميع أوضاعه المعيشية، متنقلاً من مؤسسة احتلالية إلى أخرى لترتيب أوراقه الرسمية، حتى يتفادى الحرمان من مدينة أجداده. كذلك يحوّل هذا التهديد أفعالاً روتينية عادية، كالعمل في وظيفتين لأكثر من 14 ساعة في اليوم الواحد لتوفير لقمة العيش، أو إيجاد “واسطة” لتسجيل الأطفال في المدرسة الفلانية، إلى “أعمال نضال يومية” إن جاز التعبير. جميعها سلوكيات تندرج في إطار محاولة البقاء في المدينة مهما كلف الثمن.

تضييقات على جميع الصعُد

أما عندما يقرر الفلسطيني البدء بـ”مشروع العمر”، وبناء بيته، فيفاجأ بأن ما يقارب 14 في المئة فقط من مساحة شرقي القدس المحتلة اليوم، متاحة للبناء، وفق مخططات بلدية الاحتلال. ذلك يعني أنّ من الصعب جداً الحصول على “رخصة بناء” من تلك البلدية. الأمر الذي يضعه أمام خيارين: القبول بالعيش في بيت ضيق جداً، وما يترتب على ذلك من مشاكل اجتماعية، أو المباشرة بالبناء من دون انتظار الاجراءات البيروقراطية والمكلفة جداً، لاستصدار تراخيص بناء نادراً ما تُعطى. يضع الفلسطيني ماله وتعبه في ذلك المشروع، ليصحو ذات يوم مكبّل اليدين، ينظر الى بيته يُهدم، وليس بمقدوره فعل أي شيء، بحجة “عدم الترخيص”. منذ بداية هذا العام على سبيل المثال، هدم على الأقل 17 بيتاً في القدس.

أما عن الحال الاقتصادي للمدينة، فهي حوت يوماً ما بيوتاً للأثرياء العرب يقضون فيها إجازة الصيف، قُطعت بعد 67 عن محيطها العربيّ، وقطعت في ما بعد عن سائر الضفة الغربية بالحواجز والجدار الفاصل. وبما أن القدس مدينة تعتمد في الأساس على الزائرين والوافدين، فإن سياسة الحصار الإسرائيلي أدّت إلى خسائر اقتصادية كبيرة للقطاعين التجاريّ والسياحيّ فيها، حتى اعتاد الناس تسميتها “المدينة التي تنام باكراً”، فلا تكاد تسمع همساً في شوارعها الرئيسية قبل حلول المغرب بقليل. وقد أدت التضييقات الإسرائيلية والضرائب المرتفعة المفروضة على التجار، إلى أن تصل نسبة العائلات التي تعيش تحت خطّ الفقر إلى ما يقارب 75 في المئة.

ذلك بعضٌ يسير من ملامح الحياة في القدس بعد 47 على احتلالها، يحكيها كلّ مقدسي، أياً كان عمره. الجميع يعرفون الحكاية لأنهم يعيشونها. تسألهم: ما الحل؟ يجيب البعض بابتسامة ونظرة إلى السماء: “بعين الله.. بكرا بتفرج”.

– See more at: http://www.alaraby.co.uk/politics/83939355-ed6f-4efd-882c-ac33c47621b4#sthash.QNHiPJ0a.dpuf

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s