القرى الفلسطينية المهجّرة.. إهمالات الذاكرة

نشطت في الأعوام القليلة الماضية جولات التعرّف إلى القرى الفلسطينية المهجَّرة عام 1948، خاصة في محيط مدينة القدس المحتلة، بهدف التعرّف إلى الأرض المسلوبة والتواصل معها. وتُبادر مجموعات شبابية، بعضها مستقل والآخر تابع لمؤسسات أو أندية شبابية، إلى تنظيم هذه الجولات برفقة مرشدين يتحدثون عن أهل القرى وتاريخها وما تبقى من آثارها اليوم. ويلاحَظ ارتفاع نسبة هذه الجولات مع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية كلّ عام.

يُحسب لهذا النوع من الجولات أنه يتيح للقرى المهجَّرة/المحتلّة مساحة متجددة في مخيلة الفلسطينيين، ويعيد تعريف القدس وتاريخها العربي خارج إطار التعريف الاستعماري الضيّق. إذ يطّلع طلاب الثانوية من القدس وغيرهم من المشاركين في الجولات على الامتداد الأصلي والواسع لمدينتهم قبل أن تُحتل وتُقسّم ويهجّر أهلها ويضيّق على من بقي فيها. كما تساهم هذه الجولات في حفر أسماء القرى المهجَّرة في الذاكرة حتى لا تختفي وسط زحمة أسماء المستوطنات اليهودية التي أقيمت على أراضيها وأصبحت معطى مفروضاً بالقوة.

اللافت هو تمحور معظم تلك النشاطات حول قرى مُهجَّرة بعينها، وإهمالها قرى أخرى كثيرة لا يُطرح اسمها إلا نادراً. ففي القدس مثلاً ثمة 39 قرية هُجّرت إبان النكبة، إلا أن برامج الجولات لا تشمل سوى عشر قرى. وبينما لا يخلو برنامج من زيارة قرى مثل “لفتا” و”صوبا” و”دير ياسين”، نادراً ما نسمع عن زيارة أو جولة إلى قرية “أشوع” أو “راس أبو عمار” أو “خربة اللوزة” أو “كسلا”.

وسبب حضور بعض القرى المقدسية في تلك البرامج هو نشاط أهلها المهجّرين وتواصلهم المستمر مع أراضيهم. فقرية لفتا على سبيل المثال مشهود لأهلها نشاطهم المتواصل وسعيهم لإحياء تاريخ قريتهم ومنع هدم ما تبقى من بيوتها اليوم. أما السبب الآخر فيعود إلى لجوء أهالي بعض تلك القرى عام 48 داخل القدس أو داخل فلسطين، ما يعني سهولة وصولهم إلى أراضيهم من دون الحاجة إلى تصاريح من دولة الاحتلال. وثمة سبب آخر لتصدّر تلك القرى برامج الجولات، هو وقوعها على “خارطة الحياة والنشاط” الإسرائيلية. فبعضها تحوّل على يد سلطات الاحتلال إلى محميات طبيعية أو أقيمت فوقه مستوطنات، وبعضٌ آخر يقع بالقرب من شارع رئيسي، بمعنى أنه يسهل الوصول إليه والعثور عليه وتحديد معالمه. وقد يلحظ المشاركون في هذه الجولات وجود “متنزّهين” إسرائيليين في الأمكنة المقصودة جاؤوا لأهداف أخرى. المرشد إيهاب الجلاد، الذي يرافق عدداً من تلك الجولات، يؤكد ذلك ويضرب بعضاً من الأمثلة: قرية لفتا تقع على سفح شارع رئيسي مرتفع في القدس، وقرية صوبا تقع في منطقة يقصدها السياح والمستجمّون الإسرائيليون، وقرية صطاف تحوّلت إلى محمية طبيعية ومسار للرياضيين، وقرية عين كارم تتضمن كنائس ومطاعم. أما القرى التي لم تصل إليها قدم “الإسرائيلي” ومشاريعه فقلما تجد من يصلها. ولا نقصد في ما سبق التقليل من أهمية ودور مثل هذه الجولات في تعزيز الوعي الوطني والمعرفة التاريخية لدى الجيل الناشئ، بل لفت الانتباه إلى التغييب غير الواعي لبعض القرى وإهمالها فلسطينياً تبعاً لما هو متوفر من “بنى تحتية إسرئيلية”. وبالتالي، لا بد لأي برنامج يهدف إلى التعريف بالأرض الفلسطينية وتعزيز الارتباط بها والتمسك بحق العودة إليها، أن يكون عميقاً شاملاً لا تحدّه “التوجيهات” الإسرائيلية غير المباشرة.

نشر على موقع العربي الجديد:

http://www.alaraby.co.uk/culture/6827dc4a-ad47-492a-bacd-227f1156f319

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s