الحبس المنزلي في القدس: عندما يصبح الأهل هم السجّان

“يقول لك ابني إنه مستعد أن يقضي داخل السجن شهوراً طويلة على أن يخرج منه للحبس المنزلي”. بهذه الكلمات توجهت والدة الفتى المقدسي ن.ز، ابن الخمسة عشر عاماً، إلى محاميه، في تأكيد على أن الفتية في القدس باتوا يفضلون “جحيم” الحبس الفعلي، على الحبس المنزلي، الذي تفرضه محاكم الاحتلال كبديل للسجن الفعلي. ويعتبر الحبس المنزلي إجراءً قانونياً، وفق القانون الإسرائيلي، وأحد بدائل الاعتقال. ويشرح مدير مؤسسة “الميثاق لحقوق الإنسان” في القدس، فراس صباح، لـ”العربي الجديد”، أن “القانون الإسرائيلي، المفروض على القدس، يعتبر أن الأصل هو حرية الانسان، وأن اعتقاله هو الملاذ الأخير الذي تلجأ إليه السلطات، لذلك عادة ما يتم البحث عن وسيلة بديلة للاعتقال، منها الإبعاد عن منطقة ما، أو الحبس المنزلي”.

يؤكد صباح أن هناك شروطاً معينة تنظر فيها المحكمة الإسرائيلية، التي يعرض أمامها المعتقل، مثل “عدم تشكيله خطورة وهو خارج السجن”. وفي حال توافر هذه الشروط، فإنها توافق على الحبس المنزلي حتى انتهاء الاجراءات القانونية بحق المعتقل، وصدور الحكم ضدّه. ويضيف أنه في بعض الأحيان، تطلب النيابة الإسرائيلية من المحكمة إصدار قرار بالحبس المنزلي، لعدم كفاية الأدلة لديها، أو لأسباب أخرى.

قد يبدو الحبس المنزلي وفقاً لهذا التوصيف أقل الضّرر. وفي أغلب الأحيان، يلجأ أكثر الأهالي للضغط على المحامين من أجل الحصول عليه، ظناً منهم أن وجود أبنائهم في البيت في انتظار صدور الأحكام ضدّهم، أفضل من وجودهم في سجون الاحتلال، بحسب صباح. إلا أن هذا الظّن سرعان ما يتبدد بعد معاينة تجارب قاسية عدة، خاضها شباب فُرض عليهم الحبس المنزلي.

ويوضح صباح أن “الشّروط التي تفرض على المحبوس منزلياً قاسية جداً، إذ غالباً ما يمنع من الخروج كلياً من المنزل، كما أن الفترة التي يقضيها المعتقل محبوساً في بيته لا تُحسب من فترة حكمه في حال صدر الحكم بحقه”.

تحطيم نفسي

تصف والدة الشاب المقدسي م. أ (22 عاماً)، بقلب مفطور ووجه حزين، كيف تحوّل ابنها من شاب طموح في بداية طريقه المهنية، إلى شاب غارق في اليأس، ومدمن على المخدرات.

تقول الوالدة لـ”العربي الجديد” إنه “قبل حوالى عامين، انطلق ابني في أبهى حلة في طريقه إلى العمل، وكان سعيداً لإنجازه في عمله، وقد ادّخر مبلغاً جيداً مقارنة بأقرانه من الشباب، وبالوضع الاقتصادي المتردي الذي نعيش فيه في القدس”. وتروي أن “المواجهات كانت في تلك الفترة مشتعلة في المدينة، وتواجد الشرطة على أشده، فاستوقفته سيارة شرطة الاحتلال واعتقلته من دون أي سبب”. وتؤكد أنه “لم تكن توجد ضدّه أية تهمة واضحة، ومع ذلك حُكِم عليه بالحبس المنزلي الذي لم يُحدد بزمن”. لم يعرف الأهل ماذا يفعلون لنقص المعرفة القانونية، ولم يتابع المحامي قضية ابنهم، لكثرة ملفاته. مرّ الوقت حتى أصبح مجمل ما قضاه الشاب في الحبس المنزلي ما يقارب العام ونصف العام، لم يخرج خلاله من البيت، إذ أن انتهاك شروط الحبس المنزلي والخروج من البيت يرتّب دفع غرامات مالية مرتفعة، لا تقدر العائلة عليها.

تتنهد والدة الشاب وتحبس دمعتها قبل أن تقول: “اليوم ابني مدمن مخدرات، ولا نعرف كيف نساعده”. حوّل الحبس المنزلي الشاب النشيط، المقبل على الحياة والعمل، إلى شاب ممتلئ بأسباب الاحباط واليأس. وفي وسط الفراغ القاتل والتقييد الشديد، وجد طريقه إلى المخدرات، التي يسهل الوصول إليها أصلاً في مدينة القدس.

أما الناشط في إحدى المؤسسات الفلسطينية في القدس، أحمد هديب (25 عاماً)، فقد نجح جزئياً في تخطي التحديات، التي يفرضها الحبس المنزلي، إذ نقل جزءاً من عمله إلى داخل بيته. قضى (حتى اليوم) في الحبس المنزلي ما مجمله سبعة شهور، استطاع خلالها التحايل على ما يسميه “الضربة النفسية”، التي يشكلها الحبس المنزلي. يقول هديب إن “كلّ لقاءاتي مع المجموعات الشبابية، التي أعمل معها وأتابعها انتقلت إلى بيتي، أصبحنا نجري اجتماعاتنا ونشاطاتنا في منزلي، وفرقة الموسيقى، التي أدربها، أصبحت أستقبلها في البيت لنكمل تدريباتنا”.

يختم هديب حديثه بتأكيده أنه “لو خُيّرتُ بين الاعتقال الفعلي في سجون الاحتلال، وبين الحبس المنزلي، لاخترت الاعتقال الفعلي، فهو أرحم”. لكن هديب استطاع، من خلال المحامي، الحصول على استثناء بالخروج من البيت لساعات محددة، وينتظر صدور الحكم ضدّه في سبتمبر/أيلول المقبل، وفي حال صدر بحقه حكم بالسجن، فإن هذا الحكم لن تُقتطع منه فترة الحبس المنزلي.

تتوتر العلاقة بين الشّاب المحبوس منزلياً وأهله، وخصوصاً إذا كان الحديث يدور عن مراهق معتقل. يقول رئيس “لجنة أهالي الأسرى المقدسيين”، أمجد أبو عصب، إنه “لا يستطيع معظم أهالي القدس تحمل التكاليف المادية، التي تفرضها محكمة الاحتلال على من يخترق شروط الحبس المنزلي، لذلك تلجأ الأم أو الأب إلى ممارسة دور الرقيب على ابنهم المحبوس منزلياً. ويضيف “هنا يشعر الطفل أو الشاب بأن أهله هم السجانون الفعليون له، فتبدأ علاقته تتوتر معهم مما يضعه ويضعهم في وضع نفسي سيىء”.

إضافة إلى ذلك، فإن الحبس المنزلي قد يحرم بعض الأطفال من الانتظام في المدارس. يؤكد أبو عصب، أنه “أحياناً يكون الحبس المنزلي كاملاً بحيث يمنع الطفل حتى من الذهاب إلى مدرسته. وفي أحيان أخرى، تسمح المحكمة للطفل المعتقل منزلياً بالخروج فقط إلى مدرسته، وذلك بشرط أن يرافقه أحد والديه”.

يوضح أبو صعب أن “هذا الشرط يضيف العبء على العديد من العائلات، فالأب عادة في عمله، ولا يستطيع الارتباط بمواعيد المدرسة، والأم قد تكون في عملها أيضاً، أو مسؤولة عن إخوة الطفل المعتقل، ولا تستطيع التحرك بسهولة”.

ومن الشروط القاسية، التي تفرض على بعض المحبوسين منزلياً، أن يكون الحبس خارج منطقة سكنه، وهذا الشرط يجبر الأهل على البحث عن بيت إضافي خارج حيّهم، مما يضع عليهم المزيد من الأعباء الاقتصادية والحرج الاجتماعي. وقد نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات اعتقال موسعة في القدس منذ اندلاع مواجهات واحتجاجات على استشهاد الطفل، محمد أبو خضير، في يوليو/تموز الماضي. ووفق بيان صدر عن شرطة الاحتلال نهاية الأسبوع الماضي، وصل عدد الأسرى في القدس منذ ذلك الحين، إلى 601 أسير، منهم 190 طفلاً، وقدمت لوائح اتهام ضدّ 184 منهم.

 نشر على موقع العربي الجديد 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s