عن وهم اليسار الإسرائيلي ومحاولات تطويع المقدسيين

القدس المحتلة – هنادي قواسمي

بحسب باحثة فلسطينية مطلعة على “أرشيف دولة إسرائيل”، وتحت تصنيف “شرق القدس”، ذُكِرَ في المراسلات التي دارت عقب احتلال عام 1967 وناقشت موضوع “من يتولى ملف عرب القدس من المسؤولين الإسرائيليين”، ذكر اقتباس من جولدا مئير بقولها عام 1970 “عرب العاصمة كعرب إسرائيل”.

تقصد غولدا في ذلك، إنه يمكن السيطرة على الفلسطينيين في القدس الذين احتلوا حديثاً – عام 67 – كما سبق وتمت “السّيطرة” على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948. يعني ذلك فيما يعنيه، محاصرة أي مرجعية سياسيّة وطنيّة نشطة في المدينة، وطمس الوعي والهوية الوطنية الفلسطينية، إضافة إلى إغراق “عرب العاصمة” – المقدسيين – بالتحسينات لأوضاعهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة، وتحويل مشاكلهم إلى مشاكل يمكن حلّها تحت تصنيف “سدّ الثغرات”.

وهنا تشتهر المقارنة الرائجة بين الظّروف المعيشية فيما يُسمى “القدس الشّرقيّة” و”القدس الغربيّة”. على اعتبار أن القضاء على الفرق الشاسع في الخدمات والبنى التحتية بين أحياء الفلسطينيين وأحياء الإسرائيلييين المحتلين هو الباب الذي من خلاله سيدخل الإسرائيلي إلى قلب العربيّ المقدسيّ ويتربع عليه، وبالتالي يحلّ “أزمة العاصمة”.

ولا غريب أن نرى ما يطلق عليه اليوم “اليسار الإسرائيلي” يتبنى هذا التصور الذي طرحته جملة جولدا مائير المذكورة. تعبر عن ذلك بوضوح جريدة هآرتس الواجهة اليسارية المعروفة في دولة الاحتلال. تغطي هآرتس “أمور العرب” أكثر مما تغطيها وسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى، فكثيراً ما نرى فيها تقارير عن اعتداءات جنود الاحتلال والمستوطنين في الضّفة الغربيّة، أو عمّا تسميه “حقوق الأقلية الفلسطينية في إسرائيل”، وعن ضرورة اهتمام “الدولة” – دولة الاحتلال بأمورهم وتخصيص الميزانيات لذلك. وهو الأمر الذي يثير إعجاب وتقدير بعض العرب ممن لا ينجحون في الالتفات إلى ما تقوله تلك التقارير سياسياً دون أن تكتبه، – “الايديولوجيا وراء التقرير الصّحفيّ”.

في عددها الموسع الصّادر يوم الجمعة الماضي 19 أيلول نشرت “هآرتس” تقريراً عن العدد المتزايد من الأطفال المقدسيين المعتقلين في سجون الاحتلال، وذلك منذ اندلاع المواجهات في أحياء القدس بعد استشهاد الطفل محمد أبو خضير. يتحدث التقرير عن انتهاكات سلطات الاحتلال لحقوق هؤلاء الأطفال المعتقلين، وعن تعامل الجهاز الأمنيّ والقضائيّ الإسرائيلي القاسي معهم.

كان ذلك التقرير، أما ما وراء التقرير فيمكن لمسه بشكل أعمق في مقال هيئة التحرير الذي نشر يوم أمس الأحد، بعنوان “العناية بالقدس الشرقية”. منذ اللحظة الأولى لقراءة العنوان نلاحظ مباشرة أن الجريدة تتبنى استراتيجية مقولة جولدا مائير، فهي لا تقول “إنهاء الاحتلال” إنما تقول “العناية بها”. أي بمعنى آخر هي مناشدة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي من قلب شريحة من المجتمع الإسرائيلي، تتستر بغطاء التقدمية واليسارية أن “خصصوا المزيد من الأموال للصرف على عرب العاصمة، حسنوا شوارعهم، وابنوا لهم المدارس، والمراكز الصّحيّة وامنحوهم رخص البناء،  بالتالي يتناسون قضيتهم وهويتهم، هذه هي طريق الحل، لتريحونا من عناء هذا العنف”.

وفي تفاصيل المقال، تعقد الجريدة مقارنة بين الفترات التي يقضيها الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال وبين تلك التي يقضيها الإسرائيليون، فامكانية اطلاق سراح الإسرائيليين حتى لو ارتكبوا جريمة خطيرة أعلى من الامكانية التي يحظى بها الفلسطينيون. تعلق الجريد على ذلك بالقول: “من الصعب التخلص من الشّعور بأن النظامين القانونيّ والقضائيّ قررا تصعيد الأمور مع الفتية المشتبه بهم، على حساب الفرصة القائمة لإعادة تأهيلهم، على أمل أن يؤدي هذا الأمر إلى تهدئة النفوس”.

تتعامل الجريدة مع هؤلاء الأطفال المعتقلين كمن يعاني من مشاكل صحيّة أو اجتماعيّة في أي مجتمع عادي لا يوجد فيه واقع استعماري، وذلك فإن أهم ما يلزمه هو “إعادة التأهيل”. هو تأهيل بما يوافق المعيار الإسرائيلي، وتوجيهه إلى “المسار الذي يضمن مستقبلاً فردياً أفضل”.

ولكن ما يزعج إدارة تحرير الجريدة أكثر حسب المقال هو أن “انخراط أطفال القدس في العنف يكشف عدم جدوى السياسة التي تتبعها إسرائيل في شرق القدس”. يذكر حينها مصطلح “الاحتلال” للمرة الأولى في المقال، لكن الجملة تختم بالقول أن هؤلاء الفتية مستعدون لدفع الثمن والمراهنة على مستقبلهم من أجل “التعبير عن غضبهم واحباطهم مما تسميه الجريدة “ظروف حياتهم”. وفي الختام توجه الجريدة نداءً للحكومة الإسرائيلية وبلدية الاحتلال في القدس بالقول أن استمرار الجهتين في تجاهل “مشاكل شرق القدس” والترديد بأن “القدس موحدة للأبد” لن يساهم في تهدئة النفوس”.

تظهر من هذه المصطلحات: “إعادة التأهيل”، و”ظروف الحياة”، و”مشاكل شرق القدس”، و”العنف”، و”العناية بالقدس”، ومن تحميل البلدية الإسرائيلية جزء من المسؤولية عن “الوضع”، أن الجريدة في نهاية الأمر تنظر إلى غضب الفلسطينيين في القدس على اعتباره مجرد احباط نابع من “الظروف المعيشية التي يعيشونها”، والتي لا يكون حلّها بانهاء الاحتلال أولاً، إنما يكون الحلّ بتحمل “السلطات” – أي سلطات الاحتلال المسؤولية وتخصيص الميزانيات اللازمة والاهتمام الكافي للقضاء على الفوارق المعيشية ما بين “القدس الشرقية”، و”القدس الغربية”، على حد تعبيرهم. وكأن الشّبان والأطفال الذين خرجوا غاضبين في شوارع القدس في الشّهرين الأخيرين لم يخرجوا تعبيراً عن انتمائهم الوطني الفلسطيني، وعن قضيتهم السّياسيّة بالأساس، وإنما خرجوا، كمثل سكان أيّ حيّ مهمل في مكان ما في دولة عادية، يحتجون على تهميشهم وإهمال أوضاعهم المعيشية.

ليست هذه محاولة “لفضح” جريدة هآرتس أو أي اعلام إسرائيلي آخر يُعرّف نفسه أنه تقدمي يساري في تناوله لأخبار الفلسطينيين، فمن الغباء الشّديد أن نحمل التوقعات إزاء اعلام الاحتلال. إنما هذه مجرد محاولة لقراءة ما وراء الأخبار، وللتقليل من حماسة بعض العرب الذين يرددون مقولات الاعلام الاسرائيلي ويفرحون لاهتمامه بهم، ويتسابقون للتصريح أمامه بآرائهم – بعد تعديلها طبعا لتوافق المزاج العام المطروح في ذلك الاعلام.

نشر مسبقاً في صحيفة العربي الجديد على الرابط:

http://www.alaraby.co.uk/politics/d1f3f106-2f43-46e4-a436-47d15bd4adfa

Advertisements

فكرة واحدة على ”عن وهم اليسار الإسرائيلي ومحاولات تطويع المقدسيين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s