في القدس: الاحتلال يتغول.. والعرب “يزورون”!

بدا الارتباك واضحاً في موقف شركة الخطوط الجويّة الكويتية بخصوص نيّتها تنظيم رحلات لمدينة القدس المحتلة، فمن جهة أعلن أحد موظفيها للإعلام الكويتي أن الرحلات ستبدأ من تاريخ 19 اكتوبر الجاري، ومن جهة أخرى نفت الشّركة ذلك فيما بعد مساء الاثنين الماضي، وقالت أن “الموضوع ما زال قيد الدراسة”.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد دعا العرب خلال مؤتمر القدس الأول الذي عُقد في الدوحة في فبراير\ شباط 2012 إلى زيارة القدس المحتلة والصّلاة فيها، معتبراً أن ذلك شكلٌ من أشكال النّضال ضدّ تهويد المدينة، ووسيلة لفك العزلة عن المقدسيين وتعزيز صمودهم في مواجهة الاحتلال.

وقد تبنى مؤتمر لجنة القدس، المنبثقة عن منظمة التّعاون الإسلاميّ، المنعقد في مراكش في يناير كانون الثاني 2014 في توصيات بيانه الختاميّ الدعوة لتنظيم ما أسماها “زيارات عمل” من مختلف المستويات إلى القدس.

تبدو الشّعارات الفضفاضة والحماسيّة كمثل “دعم صمود المدينة” فخمة وجليلة، لكن ما إن نتناولها بعين التّحليل والتّدقيق، وعلى أبسط المستويات، نجدها تتفكفك شيئاً فشيئاً. لذلك وبعيداً عن كلام السّاسة وعبارات الإنشاء والشّعارات، لا بدّ من فحص الأمر عن قرب والسّؤال بجديّة: كيف ستجلب زيارة العربيّ للقدس المحتلة تلك الفوائد التي رددّها الرئيس الفلسطيني عباس؟

ماذا سيفعل العرب في القدس؟

لعل نصّ الخبر الذي تناقلته وسائل الاعلام مطلع الأسبوع حول رحلات الكويتيين للقدس يجيبنا عن هذا السّؤال. يقول الخبر بأن الزائرين العرب سينتقلون في “حافلات حديثة مكيّفة” من العاصمة الأردنية عمان للقدس ليَصِلوا إليها ليلة الخميس، ومن ثم يُصلّوا الجمعة في المسجد الأقصى، لينتقلوا في اليوم الثّالث إلى رام الله للتسوق ومن ثم الرجوع للكويت. أما تعبير “الحافلات الحديثة المكيفة” فيشعرنا أن القدس ليست سوى مقصد سياحي على مُنظم الرحلة إليه أن يرضي أذواق المسافرين دون أن يشعروا بالحرّ، أو ينزعجوا من بطء الحافلات القديمة.

أما بالنسبة لصلاة الجمعة، فلا مجال للهرب من طرح السّؤال البديهي: ما الذي ستضيفه صلاة العرب في المسجد الأقصى المحتل للقدس؟ هل يبحث الأقصى عمن يصلي فيه فحسب؟ أم يبحث عمن يحرره أولاً فتكون حرية العبادة فيه نتيجة واضحة لهذه الحرية؟ هل ستمنع هذه الزيارات الموسمية والصّلوات العربيّة اقتحامات المستوطنين المتكررة للأقصى أو تحدّ من تغوّلهم في المدينة وتهويدها استيلائهم على عقاراتها؟

ومن ثم يقول الخبر أن الزائرين سيتسوقون في رام الله، وليس في القدس كما هو متوقع! وإذا ما فرضنا جدلاً أنّهم سيتسوقون في القدس، كيف ستُساهم بضعة دراهم تصرف بعشوائية هنا وهناك في دعم صمود المقدسيين ومدينتهم؟ هل يختصر المؤيدون لهذه الزيارات المقدسيين في كونهم مجرد فئة من التّجار جلّ ما يحتاجونه هو أن تشتري منهم بعض الهدايا للأقارب؟

كسر الحاجز النّفسيّ

ولا ننسى العامل النّفسيّ الذي تصنعه هذه الزيارات في حال تم تنظيمها. لقد أثير هذا الموضوع في أيام ذات حساسية عالية فيما يخص المسجد الأقصى بالذات، فقد شهد في الأيام الأخيرة، وبمناسبة عيد رأس السّنة العبرية وعيد العرش اليهودي اقتحامات متكررة وخطيرة للمستوطنين، وقد اعتقل عشرات الشبان والأطفال والنساء وهم يدافعون عن حقّهم في الوصول إلى المسجد، ورفضاً لمحاولات استيلاء المستوطنين عليه.

كيف سيشعر الفلسطيني وهو يمنع هذه الأيام من دخول الأقصى، وابنه يمنع من الانتظام في مدرسته المتواجدة داخل سور الأقصى، عندما يأتي الزائر العربي إليه بعد أسبوع مثلاً، وتفتح له الأبواب على مصارعها؟ ألن يسأل الفلسطيني بشكل بديهي – وله الحق في أن يسأل – “أين كان هؤلاء عندما كان الأطفال والشبان والنساء والشيوخ يضربون دون القدس والمسجد الأقصى قبل أيام”؟

لقد سبق وشعر الفلسطينيون بهذا الحنق في نيسان الماضي، عندما زار المصريون الأقباط القدس بمناسبة عيد الفصح المجيد، مخالفين رأي الأنبا شنودة. وقد روى أحد المرابطين عند باب الأسباط أحد أبواب البلدة القديمة للقدس أن قوات الاحتلال كانت في تلك الفترة تمنع الفلسطينيين من دخول البلدة والمسجد على وجه التحديد لتسهيل اقتحام المستوطنين للأقصى في عيد الفصح اليهودي، فيما سمحت على مرأى ومسمع منهم (أي الفلسطينيين) لمجموعة كبيرة من المصريين بالدخول بكل سهولة وترحيب. كيف للفلسطيني أن يشعر وأخاه العربي يتجول في القدس بأريحية تصطنعها سلطات الاحتلال لإيهام العرب بحسنها، بينما هو يمنع ويقمع ويضرب ويعتقل في سبيل إثبات وجوده فيها؟

ومن جهة آخرى، فإن هذه الزيارات الموسميّة “السّياحيّة” تكسر الحاجز النّفسيّ بين العرب ودولة الاحتلال وتهيىء المناخ لجعل أمر التّعامل معه أمراً طبيعياً، ومن ثم يفضي ذلك إلى القبول بالواقع والاستسلام له. وقد تُوهِم هذه الزيارات والطريقة التي تتم فيها غير المطلعين من الزائرين بأن يشعر ولو في سرّه أن هذا “الاحتلال لطيف، فبسهولة دخلنا وبسهولة خرجنا ولم نتعرض لشيء”!، وبالتالي يتحول هذا القلق التاريخيّ العربيّ تجاه القدس من قلق في سبيل التحرير، إلى مجرد رغبة في الزيارة والعودة سالمين، طالما تسمح لنا تلك الدولة المسماة “إسرائيل”.

وهنا يجدر بنا قلب السؤال كذلك والقول: هل كانت دولة الاحتلال ستسمح بمثل هذه الزيارات لولا أنها تعرف أنها لن تقدم ولن تأخر، وأنها بمجرد شعورها بخطورة من طرف هذه الزيارات ستمنعها تماماً؟.

“السلطة الفلسطينية هي المنسق”

يقول المؤيديون لزيارة العرب للقدس تحت الاحتلال بأن هذه الزيارة ليست تطبيعاً لأنه لا يتم “ختم الجواز” بالأختام الإسرائيلية، كما أن الجهة التي ستنسق لهذه الزيارة بالكامل هي السّلطة الوطنية الفلسطينية وليست الجهات الإسرائيلية. وفي الحقيقة من يكرر هذا التبرير إما يتغافل عن الحقائق على أرض الواقع أو أنّه لا يعرفها حقاً.

يردد هؤلاء هذه الحجة وكأن السّلطة الفلسطينية تملك مفاتيح القدس. لا يعرف هؤلاء أن رئيس السّلطة الفلسطينية ذاتها، التي يريدون منها أن تنسق لهم الزيارة دون أن تحوم حولهم شبهة التطبيع مع “إسرائيل”، أنه لا يستطيع التنقل إلا بتنسيق ورضى وموافقة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وأنها متى شاءت تسحب منه التصريح ومميزات ال vip.

يتصرف أصحاب هذا التبرير وكأن للفلسطينيين حكم مطلق على مساحة معينة من الأراضي داخل فلسطين، وسلطة وسيادة على المعابر الحدودية، ويتغافلون عن أن كلّ ما أو من يدخل أو يخرج إلى فلسطين المحتلة يمر عبر آليات الفحص الأمني الإسرائيلي، وأنه حتى نقطة الاستراحة الفلسطينية بين الأردن وفلسطين في أريحا ليست سوى أشبه بنقطة تسجيل واحصاء للداخل والخارج دون القدرة على التقرير في أمره أو الاعتراض عليه.

إن هذه الدعوات لزيارة القدس المحتلة، حتى وإن انطلقت من أرضية صادقة تخاف على المدينة ومصيرها، إلا أنها ليست إلا محاولة بائسة للهروب من غياب الاستراتيجية العربية والفلسطينية الواضحة لتحرير المدينة، وليست سوى تعبير عن العجز العربيّ عن تقديم ما هو ملموس وحقيقي ومهم للقدس ولأهلها.

وفي حال وقعت هذه الزيارات فعلاً، وازداد عدد الدول العربيّة المنظمة لها بشكل رسميّ فإنها ستساهم في تحقيق الهدف المعاكس للهدف المعلن لها، إذ ستشير في نهاية الأمر إلى القبول والتكيّف العربي مع وجود دولة الاحتلال. ولهذا نجد لسان حال كثير من المقدسيين في تعليقهم على موضوع الزيارة: “نريديهم أن يأتوا فاتحين لا زائرين”.

——————————————————–

نشر في صحيفة العربي الجديد – الصفحة الأخيرة هنا:

 http://www.alaraby.co.uk/file/get/3f2237fc-f8b7-47e6-b1ae-9256e6a4d2b7.pdf#pagemode=thumbs

ملاحظة على الهامش: كان لي رأي مغاير في الموضوع، ولكنه تبدل بعد فحص وقراءة واقتناع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s