مشروع “الهدوء” الإسرائيلي في القدس.. يتأرجح!

“أقول لكم بمسؤولية، أنا مقتنع بأنّ الهدوء سيأتي وبسرعة للقدس وما حولها”، هكذا قال يوحنان دنينو القائد العام لشرطة الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس الأربعاء في ختام جولة أمنية في بلدة شعفاط شمال القدس المحتلة. رافق دنينو في جولته كلّ من رئيس بلدية الاحتلال نير بركات وقائد منطقة القدس في شرطة الاحتلال  موشيه ادري.

خرج الثلاثة فيما يبدو لاستظهار أدوات الأمن والضّبط التي تستخدمها سلطات الاحتلال في محاولة لوقف حوادث إلقاء الحجارة على القطار الخفيف، والمستمرة منذ شهر تموز الماضي بعد استشهاد الفتى المقدسي محمد أبو خضير. الكلّ يبحث عن إعادة “الهدوء” للمدينة، وقد بدوا سعيدين بقرب تحقيقه، فالدوريات الشّرطية لا تتوقف في شعفاط، وهي ترافق سير القطار بشكل يومي، إضافة إلى المخبرين بزيّ مدنيّ يبحثون عن أي هدف جديد للاعتقال. وقد قدمت حتى اليوم ما يقارب 60 لائحة اتهام ضد شبان وأطفال فلسطينيين بتهم تتعلق بالهجوم على القطار، وسط دعوات لتشديد العقوبات عليهم.

واستعرض آدري، قائد منطقة القدس، ما أسماها “خطة متكاملة للتعامل مع أحداث الإخلال بالأمن”، تشمل استخدام أدوات تكنولوجية، واستقدام قوات شرطية نوعية. وعلى شرف الثلاثة أطلقت شرطة الاحتلال في سماء شعفاط بالون مراقبة مزوّد بكاميرات ترصد حركات الفلسطينيين محاولةً جلب الأمان للمسافرين الإسرائيليين في القطار.

إذن يبدو أن الأمر تحت السيطرة، التواجد الشّرطي مكثف والتكنولوجيا حاضرة، والمهمة قد اقتربت من التحقق. لكن لم تمض أكثر من سبع ساعات حتى نفذ الشّهيد والأسير السّابق عبد الرحمن الشلودي (20 عاماً) من بلدة سلوان عملية الدهس في محطة القطار المسماة “تلة الذخيرة”، وهو نفس المكان الذي انطلقت منه جولة المسؤولين الإسرائيليين الثلاثة في ذات اليوم، وهي المحطة المقابلة بالضبط للمقر الرئيس لشرطة الاحتلال في الشّيخ جراح.

الثلاثي بالقرب من محطة "بيت حنينا" للقطار الخفيف - مصدر الصورة: جريدة هآرتس

الثلاثي بالقرب من محطة “بيت حنينا” للقطار الخفيف
– مصدر الصورة: جريدة هآرتس

لقد جنّ جنون المسؤولين الإسرائيليين بسبب الشّرارة الفلسطينية الغاضبة التي لم تهدأ في القدس منذ استشهاد الفتى أبو خضير، وخلال العدوان على غزة، والاقتحامات المتزايدة للأقصى، حتى بات كلّ منهم يلقي اللوم على الآخر. نير بركات رئيس بلدية الاحتلال في القدس كان قد وجه الاتهام مطلع الشّهر الجاري إلى وزير الأمن الداخلي “اسحاق اهرونوفيتش”، مطالباً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالتدخل من أجل تغيير “سلم الأولويات في الوزارة”، وضمان تزويد شرطة منطقة القدس بما تحتاجه لكبح جماح الفلسطينيين. أطراف إسرائيلية أخرى ومنها آريه كينج، المستوطن المعروف بجهوده للاستيلاء على بيوت الفلسطينيين في الشيخ جراح وسلوان، دعت إلى إقالة أهرونوفيتش لفشله في جلب الأمن والهدوء للإسرائيليين في القدس.

فجأة تبدو كلّ التجهيزات العسكرية والتكنولوجية والقضائية الإسرائيلية عاجزة عن التصدي لفكرة بسيطة في قلب شاب فلسطيني جريء يعرف من عدوّه. وبينما تعكس أخبار الخطط الإسرائيلية والاعتقالات المتزايدة في القدس نوعاً من الاقتراب من تحقيق الهدف، يظهر عبد الرحمن الشلودي ناسفاً فعالية كلّ هذه الأدوات والخطط.

القطار ..”يا فرحة ما تمت!”

أرادت حكومة الاحتلال لأن يكون هذا القطار أحد الرموز التقدمية والمتطورة للمدينة المهوّدة ضمن خطة واسعة لتطوير المواصلات فيها، وها هو اليوم يتحول إلى الرمز الأكثر تعرضاً للهجوم من قبل الشّبان الفلسطينيين الغاضبين. كما كان من مهام هذا القطار أن يُسّهل وصول مستوطني “بسجات زئيف” شمالاً – التي تعتبر واحدة من أكبر المستوطنات في فلسطين المحتلة، حيث يقطنها أكثر من 40 ألف مستوطن، إلى مركز مدينة القدس الغربي. إلا أنهم اليوم يخشون ركوبه لأن ذلك مرتبط بالمرور وسط بلدة شعفاط الفلسطينية. ويقدر عدد المصابين الإسرائيلين جراء القاء الحجارة على القطار بما يقارب 50 شخصاً. وبحسب الشركة نفسها، في الفترة بين 7 أيلول حتى 21 تشرين الأول سجلت 37 حالة لإلقاء الحجرة على القطار.

فيما قالت الشركة المشغلة له “سيتي باس”، أن هناك انخفاض بنسبة 20% في مبيعاتها. إضافة إلى ذلك، فقد أعلنت الشركة قبل أسبوعين أن 14 قطار من أصل 23 قطارا تعمل في الوقت الحالي لوجود البقية تحت التصليح بعد تعرضها للحجارة أو الدهان أو الزجاجات الحارقة.

وقد استغرقت الشركات المنفذة لمشروع القطار الخفيف ما يقارب 11 عاماً لتنفيذه، كان من المفترض أن يبدأ سيره عام 2006 إلا أنه تأخر حتى آب 2011. وقد تعرضت الشّركات المنفذة له لانتقادات واسعة على اعتبار أن أجزاء من خطّ سير القطار يمر فوق أراضي احتلت في العام 1967. بناء على ذلك، فقد نشطت حملات دولية عدة لمقاضاة ومقاطعة شركتين فرنسيتين هما “فيولا” و”ألستوم” لهما حصص في شركة “سيتي باس” المشغلة للقطار، نتح عنها خسارة الشركتين لعقود عالمية بملايين الدولارات.

وقد قال ارئيل شارون في العام 2005، بأنه يؤمن أن القطار الخفيف في القدس يجب أن يُبنى، وأنه يجب على “إسرائيل” أن تقوم ببناء وتوسيع أي شيء يمكنه – كما القطار – المساهمة في الحفاظ على القدس كعاصمة أبدية وموّحدة للشعب اليهودي.

يذكر أن مدينة القدس لم تهدأ منذ استشهاد أبو خضير، وبحسب أرقام نشرتها شرطة الاحتلال، فإنه منذ بداية تموز حتى يومنا تم اعتقال أكثر من 800 فلسطيني، وتم تقديم لوائح اتهام ضدّ أكثر من 300 منهم. وقد قالت مصادر في شرطة الاحتلال أن الأيام القليلة الأخيرة في القدس شهدت “أحداثاً أمنية”، أي القاء حجارة أو زجاجات حارقة، مرة كل خمس ساعات. وفيما تظن سلطات الاحتلال أن مزيداً من القوة يعني مزيداً من السيطرة والهدوء، يثبت الفلسطينيون أن مزيداً من القوة قد يعني مزيداً من التفكير لإيجاد طرق التحايل عليها، ليس أكثر.

الصورة الرئيسية لمصطفى الخاروف، من مواجهات العيسوية في القدس يوم 23 تشرين الاول 2014 عقب استشهاد الشلودي*

نشر في الصفحة الأخيرة من جريدة العربي الجديد
http://www.alaraby.co.uk/file/get/60634a22-3095-429e-a2f4-1853205538f9.pdf#pagemode=thumbs

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s