بلدية الاحتلال في القدس تقود حملة انتقامية من الفلسطينيين

هنادي قواسمي

لم تثنِ حملة الاعتقالات الموّسعة التي تشنها شرطة الاحتلال الإسرائيلي في القدس منذ تموز الماضي وحتى اليوم شبان المدينة عن التعبير عن غضبهم والاستمرار في المواجهات وإشعال نقاط الاحتكاك. فمثلما شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في عدد المعتقلين، فإنها شهدت كذلك ارتفاعاً كمياً ونوعيّاً في حوادث إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة مستدفهة منشآت الاحتلال ومرافقه كالقطار الخفيف والحافلات ومداخل المستوطنات.

لم يستطع الإسرائيليون صبراً على هذا التّمرد المقدسيّ، وبات شعار “إرجاع الهدوء إلى العاصمة” مطلباً متكرراً في نقاشاتهم ومظاهراتهم. وعمدت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية وشخصيات عامّة من المستوطنين على الفيسبوك إلى التأكيد على أن ما يجري في القدس هو “انتفاضة” فلسطينية بكل ما للكلمة من دلالات، فيما يبدو محاولة لدعم النداءات بتعزيز أعداد قوات الأمن الإسرائيلية وتوسيع الصّلاحيات المعطاة لهم، على اعتبار أن هكذا “انتفاضة” تستدعي هكذا “رّد”. حتى أن البعض من الإسرائيلين دعا لإقالة وزير الأمن الداخلي اسحق اهرونوفيتش متهمينه بأنه الذي يقيد يد الشّرطة في القدس، مما يسمح بتفشي مظاهر هذه “الانتفاضة”.

نير بركات، رئيس بلدية الاحتلال، والذي تجوّل في اليوم التّالي لاستشهاد الشّاب عبد الرحمن الشّلودي في عدد من الأحياء الفلسطينية المشتعلة كجبل المكبر والعيسوية، للإطلاع على نقاط الاشتباك، كان من ضمن هؤلاء. فقد سبق أن أرسل برسالة إلى رئيس الحكومة تطالبه بمساءلة الوزير أهرونوفيتش عن تقصيره في ردع مواجهات ومظاهرات القدس. وعلى ضوء هذه الأصوات، عُزز التواجد الأمنيّ في القدس، وباتت عناصر الشرطة وحرس الحدود في كل مفرق وحارة فلسطينية.

بلدية الاحتلال تقود حملة انتقامية من المقدسيين

لم يكتف الاحتلال بذلك، فاستعاد النّظرية القديمة المتكررة التي يستخدمها في الانتقام والتنكيل بالفلسطينيين، “إصابتهم في جيوبهم”، كما يقول التعبير العبريّ. فمنذ منتصف الشّهر الجاري تقريباً تشهد الأحياء الفلسطينية وبشكل يوميّ حملات مداهمة من قبل طواقم البلدية وسلطة الضرائب وسلطة الطبيعة الإسرائيلية، تقوم بتغريم الفلسطينيين بحجج مختلفة، إضافة إلى تنفيذ أوامر هدم لمنشآت سكنية وتجارية. وقد تصاعدت هذه الحملة بشكل مكثف مع بداية الأسبوع الجاري (الأحد)، وطالت بشكل أساسي بلدات سلوان وجبل المكبر والعيسوية والطور ووادي الجوز.

لم يكن الأمر عشوائياً، فرئيس بلدية الاحتلال نير بركات يتابع الأمر بشكل مباشر، فقد رافق في إحدى المرات الطواقم البلدية والأمنية التي أغلقت بعض المحلات التجارية، وأصدر تعليماته الثلاثاء الماضي (28 تشرين أول) لروؤساء الأقسام البلدية بتصعيد هذه الحملة تحت مسمى “عمليات تطبيق القانون وحملات الجباية”. وقد وظفت هذه الحملة الانتقامية وسائل التكنولوجيا في خدمتها. ففي بيان صدر عن بلدية الاحتلال اليوم الأربعاء قالت أنها أنشأت، وبمبادرة شخصية ومباشرة من بركات، وحدة جديدة للمراقبة الجوية، تضم 5 بالونات هوائية للمراقبة أطلقت فوق مخلتف الاحياء الفلسطينية لمساعدة طواقمها في رصد أي “مخالفة” لقوانينها، من بناء غير مرخص، أو محاولات لإدخال المواد الزراعية والغذائية من الضفة الغربية إلى القدس، وغير ذلك.

وتشمل هذه الحملة الانتقامية اقتحام المحلات التّجارية من قبل طواقم البلدية ومطالبتها باستصدار تراخيص للعمل التّجاريّ خلال أسبوع، وهو الأمر الذي يستغرق وقتاً طويلاً وتكاليف مالية لا يقدر بعض المقدسيين عليها. كما سارعت البلدية في تنفيذ أوامر الهدم المؤجلة أو المجمدة، وتوعدت طواقمها الأهالي بالمزيد من عمليات الهدم في الأيام القادمة.

إضافة إلى طواقم البلدية، تقوم طواقم سلطة الضرائب الإسرائيلية بمداهمة المحلات التّجارية لجباية الضرائب من أصحابها أو مصادرة ممتلكاتهم في حال لم يتمكنوا من سداد الضرائب مباشرة. كما تقوم طواقم سلطة الطبيعة الإسرائيلية بتهديد أصحاب الأغنام والدجاج ومصادرة بعض ممتلكاتهم الرعوية. كما كثفت دوريات شرطة المرور الإسرائيلية من عملها، وقامت بتحرير المخالفات وتفتيش السّيارات والتدقيق في هويات المارة.

“الأمر لا يتعلق بالقانون.. إنها السياسة”

علي أسعد من جبل المكبر جنوبي القدس، تلقى أمراً من سلطة الطبيعة الإسرائيلية بالتخلص من 20 رأس غنم و25 دجاجة خلال ستّة أيام، وإلا ستيم هدم البركس الذي يأويهم، ومصادرتهم، وتغريمه 10 آلاف شيكل (37 ألف دولار). قال عبيدات في حديث مع العربي الجديد:” عمري 54 عاماً ومن اللحظة التي ولدت وعائلتي تربي الأغنام والدجاج، نحن نعيش في قرية ومن الطبيعي وجود هذه الحيوانات في مزارعنا الشخصية، ولقد ربيت هذه الأغنام لعشر سنوات، وهي لا تقدر عندي بثمن”. ويعلق عبيدات على الحملة التي تطال المدينة قائلاً: “الأمر لا يتعلق بالقانون، أو بالحصول على التراخيص اللازمة، لكن الأمر سياسي بحت، هم لا يريدوننا هنا، ويردون الانتقام”. وأشار عبيدات إلى أقارب وجيران له تم تهديدهم بمصادرة ممتلكاتهم الرعوية في حال لم يخلوها، حتى أن أحد جيرانه تلقى تهديداً بالتغريم المالي في حال لم يقم بالتخلص من كلبه المنزلي.

أما محمد مشاهرة من جبل المكبر فقد استلم يوم الثلاثاء انذاراً بضرورة تقديم طلب للحصول على ترخيص تجاري خلال أسبوع وإلا سوف يتم اغلاق بقالته، وقال إنه يعمل منذ حوالي 15 عاماً في هذه البقالة، ولم تتم مطالبته خلال كل هذه السنوات بأية تراخيص. وأضاف: “نحن في هذه الأيام لا نعمل، فحتى الزبائن الذين أوقفوا سياراتهم أمام محل البقالة تمت مخالفتهم بحجة الوقوف في مكان ممنوع بمبلغ 250 شيكل”.

كما قامت قوات الاحتلال باغلاق 3 محلات في جبل المكبر في الشارع المحاذي لمستوطنة “أرمون هنتسيف”، بادعاء أن الشّبان الفلسطينيين يرشقون المستوطنة بالحجارة من أمام هذه المحلات. حمزة عبدو صاحب محمص من ضمن هذه المحلات الثلاثة قال للعربي الجديد: “أمرونا باغلاق المحلات دون تحديد موعد، وهددونا بتشميعها واغلاقها نهائياً في حال قمنا بفتحها حتى ولو لغرض إخراج البضائع منها”، ويضيف عبدو:”البضاعة التي لدي في المحمص تقدر بما لا يقل عن 30 ألف شيكل، وهي بحاجة لعناية حتى لا تتلف، ناهيك عن تكاليف الإيجار”.

مراد أبو غربية صاحب مخبز في سلوان، قال لنا: “يجب أن أدفع مبلغ 4000 شيكل للضريبة، ويسمح لي القانون بدفعه حتى شهر من اليوم، إلا إنني فوجئت بطواقم الضريبة تداهم المخبز وتطالبني بدفع المبلغ نقداً ومباشرة، وإلا ستقوم بإغلاق المخبز. لا علاقة للقانون بالأمر، إنهم يريدون التنكيل بنا وتجميع الأموال على ظهورنا”.

وقد شهد الأسبوع الجاري في القدس خمس حالات هدم على الأقل لمنشآت سكنية وتجارية. كما أجبرت شرطة الاحتلال حسين أبو خضير والد الشهيد الفتى محمد أبو خضير بإزالة اللافتة التي تحمل صورة ابنه عن واجهة بيته، وهددته بإنه في حال لم يفعل ذلك سيتم تغريمه من قبل البلدية بـ 2000 شيكل عن كل يوم تبقى اللافتة في مكانها. وفي حادثة مشابهة، تم تغريم صاحب محل خضروات في سلوان بمبلغ 500 شيكل لوضعه ملصقاً عليه صورة الشهيد عبد الرحمن الشلودي.

“القدس فيهاش كبير..”

إضافة إلى الانتقام من الفلسطينيين وتدفيعهم “الثمن” غالياً، فإن الهدف من هذه الحملة، بطبيعة الحال، تصدير “أزمة غياب الهدوء” الإسرائيلية إلى داخل المجتمع الفلسطيني، عن طريق استهداف الحاضنة الشعبية المقدسية للشّبان الغاضبين، وتأليب الأهالي وأصحاب المصالح التّجاريّة عليهم.

ليس هذا التصعيد من قبل سلطات الاحتلال في القدس بجديد أو بغريب عليها، فمن واقع تعريفها كسلطات احتلالية من المتوقع أن يكون هذا نهجها. وقد تكررت حملات الانتقام في كلّ مرة أبدى المقدسيون نزوعاً للتمرد والتحدي، منها على سبيل المثال حملة شبيهة شنت على قرية العيسوية لتضامنها مع ابنها الأسير سامر العيساوي الذي أضرب عن الطعام لفترة طويلة.

ومع كلّ حملة انتقامية يزداد عدد الباحثين عن الخلاص والمستائلين “إلى متى”. رجل مقدسي تعدى الستين عاماً قال للعربي الجديد: “المفروض أن يرفض أهالي القدس هذه التهديدات ويرفضوا دفع المخالفات ويعلنوا العصيان المدني.. بس شو بدنا نعمل.. القدس فيهاش كبير”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s