“القطار الخفيف” في القدس .. أداة لفرض السيادة الإسرائيلية

القدس المحتلة – هنادي قواسمي

يحاول اللغويون العبريون إيجاد مرادفٍ لجلّ الكلمات الأجنبية التي يكثر استخدامها في يوميات الحياة المعاصرة. على سبيل المثال، في العالم يسمونه “الترام”، أما الإسرائيليون فاخترعوا له اسم “هركيفت هكالاه”، وبالترجمة المباشرة للعربية “القطار الخفيف”. من ناحية، أضحى القطار “خفيفاً” فعلاً بعد انخفاض أعداد المسافرين فيه خاصة في المقاطع التي تمرّ من وسط قرية شعفاط. ومن ناحية أخرى، أضحى القطار وما يرتبط به من تكاليف وعمليات مراقبة وحراسة “ثقيلاً” على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عدى عن كونه “ثقيلاً” على الفلسطينيين ومدينتهم المقدسة.

منذ اللحظات الأولى لانتشار خبر اختطاف الشهيد الطفل محمد أبو خضير، وقف الأهالي أمام القطار الأول الذي خرج الساعة الخامسة والنصف فجر الثاني من تموز 2014، معلنين أنه لن يمرّ من شعفاط. تلا ذلك مواجهات شديدة مع قوات الاحتلال اندلعت من أمام بيت الشهيد الواقع على الشّارع الرئيس في القرية، والمحاذي تماماً لخطّ القطار.

خلال تلك المواجهات، لم يألو الشّبان الفلسطينيون جهداً في تدمير البنية التحتية الخاصّة بالقطار: أشعل البعض النار في مسالك الحديد التي يمشي فوقها القطار، وحاول البعض قص أعمدة الكهرباء المشغّلة له، بينما كسّر آخرون آلات استصدار التذاكر، وكتبوا على ما بقي من مرافق شعارات مناهضة للاحتلال. يتحدث المقدسيون عن ذلك بفخر مرددين الأرقام المرتفعة لخسائر الشركة الإسرائيلية المشغلة للقطار “سيتي باس”.

في المقابل ردد البعض ممن يريدون للشبان الاحتجاج “السّلميّ” و”الحضاريّ”، على حدّ تعبيرهم، ادعاءات أن القطار من المرافق العامّة في المدينة، وبالتالي لا مبرر منطقي أو أخلاقي لاستهدافه، كما يقولون. سألنا فتاة فلسطينية تسكن في شعفاط عن رأيها في ذلك فقالت: “بصراحة أنا اضطر لاستخدام القطار للوصول إلى جامعتي الاسرائيلية غربي القدس، لأنه الوسيلة الوحيدة المتاحة لي للوصول هناك، إلا أني أرى استهدافه أمراً طبيعياً بل واجباً، هذا القطار باختصار لربط المستوطنات وخنق العرب”.

في بلد تقع تحت الاحتلال الاستيطاني، لا يمكن تصنيف المنشآت العامّة التي يبنيها الاحتلال ضمن خانة “المشاريع المدنية” أو “المرافق العامة”، حتى لو استخدمها الفلسطينيون أنفسهم، فكلّ ما ينتج عن هذا الاحتلال هو بالضرورة لخدمته وتحقيق مصالحه. ومن خلال الاطلاع على تاريخ هذا القطار والخطّة الأوسع التي تشمله يتضح أنه مخطط سياسي سيادي بامتياز، يخدم الأهداف الإسرائيلية في تثبيت الوقائع على الأرض وإحكام السيطرة على “القدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل”، ولا يختلف وجوده على الأرض عن وجود قوة عسكرية.

يأتي “القطار الخفيف ضمن خطّة استراتيجية شاملة تتشارك فيها جهات حكومية إسرائيلية متعددة منها البلدية ووزارة المواصلات، لبناء شبكة نقل عامّ حديثة ومتطورة في مدينة القدس المحتلة، وهي المدينة الأولى التي يبني فيها الاحتلال قطاراً كهذا، وستتبعها تل أبيب. يقول القائمون على هذه الخطة بأن القدس هي المدينة الإكبر في “إسرائيل” من حيث عدد السّكان، ولا بدّ لها من شبكة مواصلات تليق بكونها “العاصمة الموحدة للشعب الإسرائيلي”. ويروج لهذه الخطة على أنها ستسهل وصول الإسرائيليين إلى القدس وتنقلهم داخلها، كما ستجعلها تليق بالمستوى العالمي لاستقطاب السّياح.

القطار كجزء من خطّة سيادية واسعة

يمتد مسار القطار الخفيف الحالي، والمسمى “الخطّ الأحمر”، حوالي 14 كم، من مستوطنة “بسجات زئيف” شمال القدس، والمقامة على أراضي بيت حنينا وشعفاط وحزما، إلى منطقة “جبل هرتسل”. ويقف هذا المسار في 23 محطة، منها 3 محطات هي “بيت حنينا، وشعفاط، والسهل”، تخترق وسط قرية شعفاط الفلسطينية. وبطبيعة الحال، يوظف الإسرائيليون وجود هذه المحطات الثلاث، للقول بأن هذا القطار لخدمة الجميع عرباً ويهوداً، وأنه مشروع “مدني حضاري”، لا شأن في السياسة فيه.

وفي المستقبل القريب، سيمتد هذا الخطّ لمسافة 21 كم بـ 31 محطة، آخرها مستشفى هداسا عين كارم جنوبي القدس، بتكلفة تصل إلى 2 ميليارد شيكل ونصف الميليارد، وسينتهي العمل فيه حسب التقديرات عام 2020. كما يخطط لبناء خطّ قطار “الجامعة”، الذي سيربط بين حرمي الجامعة العبرية شرق المدينة وغربها، إضافة إلى خطّ آخر يصل مستوطنة رموت في الشمال بمستوطنة جيلو في الجنوب، ومن المتوقع أن ينتهي العمل بهما عام 2025 بتكلفة 12 ميليارد شيكل. إضافة إلى ذلك هناك 3 خطوط أخرى ما زالت تنتظر المصادقة النهائية على إنشائها، ليصل بذلك عدد خطوط القطار الخفيف إلى ستة. كما تشمل الخطة الإستراتيجية أن يتم دعم خطوط القطارات هذه بنظام محسّن ومطوّر من خطوط الحافلات التي تضمن تغطية كاملة ومكثفة على مدار السّاعة لجميع مناطق القدس المحتلة.

وتنتمي هذه المخططات إلى خطة أوسع تشمل الطرق والشوارع السريعة تسارع تنفيذها في السنوات الأخيرة. ففي العام الماضي افتتح نتنياهو شارع رقم 20 والذي يحمل أحد مفارقه اسم والده “بنتسيون”، والذي يسهل مرور مستوطني شمال القدس والضفة إلى جنوبها. إضافة إلى شارع 21 المتصل معه والمقام على أراضي شعفاط المصادرة.  بالإضافة إلى ذلك، شهد العام الماضي بدء العمل المكثف على توسيع “شارع بيجن” ووصله بشارع رقم 4 جنوبي القدس، الذي شوّه ما بقي من طابع بيت صفافا القروي وقسّم أراضيها، بمسالكه السّتة السريعة في كلا الاتجاهين، والذي يهدف إلى تسهيل وصول المستوطنين في جوش عتصيون شمال الخليل إلى قلب مدينة القدس ومنها إلى تل أبيب، أو شمال القدس.

وليس بعيداً عن هذه الكومة من المخططات والشوارع، ما يجري على قدم وساق في الشّارع التاريخي الرابط بين يافا والقدس، وهو ما يعرف بشارع باب الواد، أو وادي علي، وهو الوادي الذي جرت على أطرافه أشرس المعارك بين القوات الصهيونية والمجاهدين الفلسطينيين عشية النكبة. فالشارع الذي يعرف اليوم بشارع رقم 1 ويربط القدس بتل أبيب، كان ضيقاً يعاني من أزمات مرورية خانقة، يجري توسيعه اليوم ليصبح 3 مسارات واسعة في كلّ اتجاه.

وبموازاة الشّارع، تعمل الجرافات بشكل حثيث على بناء جسر ضخم ومرتفع وحفر الأنفاق استعداداً لتشغيل القطار السريع بين القدس وتل أبيب الذي سيجعل زمن الانتقال بين المدينتين 28 دقيقة فقط، في حين أنه يصل بالقطار القائم اليوم إلى ما يقارب الساعة والربع. وسينتهي العمل في هذا القطار السريع مع نهاية عام 2017. وهكذا يمكن للإسرائيليين الذين عرفوا بتذمرهم من الأزمات المرورية في القدس، أن يصلوا إليها ويتنقلوا فيها ويعززوا التواجد اليهودي فيها بعيداً عن عناء الانتظار والتأخر. وقد ساهم القطار الخفيف خلال الشهر الأول من افتتاحه بارتفاع  عدد الزائرين لمركز القدس الغربي، إلى ما يقارب 430 ألف زائر في الشهر وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 46% عن العامين السابقين.

وفي حديث مع العربي الجديد، قال عنان غيث، أحد العاملين في التجمع السياحي المقدسي، وهو تجمع فلسطيني يحاول إيجاد برامج سياحية فلسطينية للسائح الغربي في القدس، بأن بناء القطار السريع من تل أبيب للقدس والقطار الخفيف داخل القدس، يقع ضمن مقومات التسويق السياحي الإسرائيلي للمدينة، فهو إحدى الوسائل لاستقطاب السائح العالمي الذي لم تعد تغريه مكاتب السياحة التقليدية، وانتقل إلى نمط السياحة الفردية.

“وتطمح وزارة السياحة الإسرائيلية زيادة عدد السياح القادمين إلى القدس من 3 مليون سنوياً إلى 10 مليون. يقول غيث: “تضمن هذه الشبكة المريحة والسريعة من المواصلات للسائح الفردي التنقل من مطار بن جوريون إلى قلب القدس والتنقل داخلها خدمة ممتازة تسهل استقطاب المزيد من السائحين”. ولا يفصل غيث مشروع القطارين الخفيف والسريع عن مشاريع اقتصادية سياحية أخرى تسعى سلطات الاحتلال الى تنفيذها في القدس مثل بناء المجمعات التجارية الضخمة بمحاذاة أسوار القدس التاريخية، في محاولة لتغيير الطابع العربي الإسلامي للمدينة، وفرض الطابع اليهودي عليها.

كلّ ما سبق ليس “خطط تطويرية للمواصلات” فحسب، بل هي خطط تطويرية للمواصلات في سبيل خدمة هدف البقاء والتمدد. يريد الاحتلال أن يوفر لذاته كلّ مقومات الحياة العصرية المريحة ليضمن أعدادا كافية من الإسرائيليين تسعى للسكن والعمل في المدينة المحتلة وتحفظ الميزان الديموغرافي الذي يريد. بذات الوقت، يصطاد الاحتلال عصفوراً آخر بشق هذه الشوارع والقطارات، هو تقييد قدرة الفلسطينيين على التوسع وتشكيل كتلة واحدة، فبفعلها تحوّلت بعض القرى والأحياء الفلسطينية في القدس إلى أحياء أصغر مفصولة عن امتداداتها الجغرافية والسكانية، وأصبح ابن بيت صفافا مثلاً بحاجة إلى نصف ساعة لينتقل إلى بيت جاره المقابل له بعد أن كان يقطع الشارع مشياً على الأقدام ليراه. كما أن القطار الخفيف يقضي على أي أمل لدى السّلطة الوطنية الفلسطينية بإنشاء دولة تكون شرق القدس عاصمتها، إذ أن خط القطار يصل شرق القدس بغربها ويثتبت المقولة الإسرائيلية حول “القدس الموحدة”.

وقد قال رئيس حكومة الاحتلال السابق اريئيل شارون في تموز 2005 في حفل التوقيع على اتفاقية بناء القطار الخفيف، بأن هذا المخطط يخدم هدفين “تطوير البنى التحتية وتعزيز القدس”. وأضاف في خطابه حينئذ: “اعتقد أنه يجب أن نخوض كل المعارك من أجل فعل أي شيء يساهم في تعزيز القدس وبناء القدس، وتوسيع القدس، وبقائها إلى أبد الآبدين كعاصمة الشعب اليهودية والعاصمة الموحدة لدولة إسرائيل، وأنا شخصياً أتعهد أمامكم بدعم كل جهد كذا”. ويمكن الاستدلال على دور هذا القطار، وما يوازيه من مخططات بنية تحتية، بالرفض المتكرر لرئيس بلدية الاحتلال نير بركات لفكرة تغيير مسار القطار وإخراجه من شعفاط، قائلاً إن ذلك يمس السيادة الإسرائيلية ويعرضها للخطر.

القطار اليوم

بعد أسبوع من المواجهات في تموز الماضي، رجع القطار إلى المرور من وسط قرية شعفاط، مترافقاً مع الإعلان عن خطط لحمايته ومراقبته. في البداية رافقت الدوريات الشرطية سير القطار، وتم تكثيف أعداد عناصر شرطة الاحتلال المتواجدة في المنطقة. في الأشهر اللاحقة قامت بلدية الاحتلال بإطلاق منطاد هوائي مزود بكاميرات مراقبة فوق سماء شعفاط تشغله بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية، لمراقبة كل من يستهدف القطار من الفلسطينيين.

لم يتوقف استهداف القطار حتى بعد كل هذه الترتيبات الأمنية، فحوادث القاء الحجارة والمولوتوف عليه مستمرة وهي شبه يومية. وقد أدى ذلك إلى انخفاض أعداد المسافرين فيه بنسبة 20% ووقعت أعطال بما يقارب ثلث العربات الموجودة.  أحد الشبان من شعفاط يعلق على ذلك للعربي الجديد: “القطار لدى الناس هنا مرادف للمستوطنين، وعندما تقول “مستوطنين” فإنهم فوراً يتذكرون الشهيد أبو خضير..”، متوقعاً أن يستمر استهداف القطار من قبل الشبان الغاضبين.

ولا يبقى في ظلّ كل هذه الخطط التي ينتمي لها القطار مكان لمن يقول: “هذا مرفق عام، اتركوه وشأنه!”.

نشر على موقع العربي الجديد بتاريخ 4 ديسمبر 2014
http://www.alaraby.co.uk/politics/84085a16-9617-46c7-b2ef-716e67eeb8bd

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s