زفّات الأعراس من المسجد الأقصى.. إحياء ليالي القدس

في سبيل تأكيد عدم تفريطهم بالمسجد الأقصى المبارك، يربط الفلسطينيون تفاصيل حياتهم اليومية به، فعدا عن أداء الصّلوات فيه، وتنظيم حلقات العلم في مصاطبه، يقبل عددٌ متزايدٌ من الشّبان الفلسطينيين من أهالي القدس والداخل الفلسطيني على عقد قرآنهم وزفات أعراسهم  في المسجد الأقصى.

هذه الخطوة ليست بالجديدة، فعلى مدى سنوات طويلة دأب كثير من الشبان والشابات على عقد قرآنهم في المسجد الأقصى طلباً للبركة، إلا أن دائرة هذه النشاطات اتسعت في العامين الأخيرين بشكل ملحوظ حاملة دلالات سياسية وطنية ودينية، في ظلّ التهديد الإسرائيلي المتصاعد للمسجد وتزايد اقتحامات المستوطنين له.

ولقد كان لمؤسسة عمارة الأقصى ومن بعدها مؤسسة الأقصى للوقف والتراث دور بارز في تشجيع هذه الخطوة، إذ توفر لأي عروسين يقبلان على عقد قرآنهما في المسجد الأقصى ما يحتاجانهما من تنسيق مع المأذون الشّرعي، وتتكفل بتوزيع الحلوى على الحضور، وتقدم لهما هدية متواضعة، وذلك في إطار مشروعها “نبدأ زواجنا من بوابة السّماء”.

ولم ترتبط هذه الخطوة فقط بالعمل المؤسساتي، فلقد انتشرت بين كثير من الشبان من أهالي القدس والداخل الفلسطيني ممن يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى، وأصبحت أمراً مفهوماً ضمناً كإحدى خطوات الاقبال على الزواج، تحمل خلفها هدف التاكيد على عروبة وإسلامية المكان، وتعزيز الرباط فيه.

وإن كانت مراسم عقد القرآن تُحيي المسجد الأقصى في فترات النهار، فإن زفات الأعراس تُحييه وتُحيي أزقة البلدة القديمة في المساء. وزفة العريس من المسجد الأقصى، عادة مقدسية قديمة، وتذكر بعض الكتب المؤرخة لعادات القدس الاجتماعية أن شبان القدس اعتادوا السّير من الأقصى إلى احياء البلدة القديمة، بينما يقف السكان على الأبواب والنوافذ يرشون الزهور والأرز على العريس، بينما تتردد هتافات مثل: “وين أزفك يا حلو يا زين. على سطوح الصخرة وبين الحرمين”.

وفي يومنا الحاليّ، تجذب زفة الأقصى الكثير من الشّبان الفلسطينيين المقبلين على الزواج الذين يبادرون إليها عادة قبل يوم من حفل الزفاف، وبعد أن غابت هذه العادة المقدسية لسنوات طويلة، تعود اليوم لتسجل ما يقارب العشرين زفة في العام الواحد.

تتميز الزفات بطابعها الاحتفالي البهيج وبقدرتها على جذب الناس وحثهم على المشاركة حتى لو لم تربطهم صلة معرفة أو قرابة بالعريس. وللزفة بعدها الاجتماعي والسياسي في إحياء ليالي البلدة القديمة في القدس المتسمة عادة بالهدوء وانعدام النشاطات الفلسطينية. ويرى المبادرون إلى تشجيع هذه الزفات أنها وسيلة لتكثيف التواجد العربي في البلدة القديمة في مواجهة عمليات التهويد.

وعادة ما يطلق قائد الزفة الأغاني الفلسطينية المعهودة في الزفات، كمثل :”طلع الزين من الحمام.. الله واسم الله عليه”. إلا أن الزفات لا تخلو بطبيعة الحال من الشّعارات الوطنية، ويبدو تأثرها بالأحداث السياسية واضحاً. ففي العدوان الأخير على غزة، انتشرت هتافات مؤيدة للمقاومة الفلسطينية مثل: “حطوا السّيف قبال السيف، احنا رجال محمد ضيف”، في إشارة إلى القائد العام لكتائب الشهيد عزّ الدين القسّام، و هتاف “يا أبو عبيدة يا مغوار سمعني صوت الإنذار”، في إشارة إلى صوت الإنذارات الإسرائيلية بفعل سقوط الصواريخ.

كما أن الزفات تفاعلت مع القضايا الراهنة التي تقلق أهالي القدس، وخاصة أوامر الإبعاد عن الأقصى التي طالت الكثير من الشبان والنساء. وقد هتفت كثير من الزفات: “حطوا الميه على الصفصاف، اقصاوية وما بنخاف”، وهتاف: “لا سجن ولا ابعاد ما بيرعب شباب الواد”، والواد هو إحدى حواري البلدة القديمة القريبة من المسجد الأقصى. ولا يغيبُ عن هذه الأجواء الاحتفالية ذكر الأسرى في سجون الاحتلال، إذ تحرص غالب الزفات على المرور من أمام منازل أسرى البلدة القديمة والهتاف لهم.  وترفع في هذه الزفات عادة الإعلام الفلسطينية، ولن يكون مستغرباً أن تجد العريس محمولاً على الأكتاف وعلى جانبيه أعلام حركة حماس أو حركة فتح، في محاولة للمقدسيين إلى عكس صورة للوحدة الوطنية التي يتأملونها.

وفي المقابل تحاول شرطة الاحتلال في القدس قمع هذه المظاهر الاحتفالية الاجتماعية، إذ تقوم في كثير من الأحياء باستدعاء العريس قبيل الزفة وتحذيره من رفع رايات الفصائل الفلسطينية أو الهتاف للمقاومة. كما تمنع شرطة الاحتلال بعض الزفات من المرور من الحارات التي تقع فيها بؤر استيطانية مثل شارع الواد، وتعتدي عليها بالضرب وقنابل الصّوت. وقد سبق أن حرّض مستوطنو البلدة القديمة ضدّ زفات الأعراس الفلسطينية في وسائل الإعلام الإسرائيلي، وطالبوا الشّرطة بمنعها، معتبرين أنها “تقيد حركتهم وتحبسهم في بيوتهم، وتعرضهم للخطر”.

*نشر في صحيفة العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s