مرابطات الأقصى.. مقاومة لا يكسرها الابعاد

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

“كله لأجل الأقصى يهون”، قالت الشّابة الفلسطينية عبير عودة (27 عاماً) بعد أن روت للعربي الجديد ما حدث معها أثناء اعتقالها والاعتداء عليها من قبل شرطة الاحتلال نهاية الشّهر الماضي.

بعد أدائها صلاة الظهر في المسجد الأقصى، وقفت عبير عودة على أحد أبوابه تطلب من شرطي الاحتلال الواقف هناك استرداد بطاقة هويتها التي سلّمتها عند الدخول، كما تشترط الشرطة. فوجئت عبير عودة. بأفراد شرطة الاحتلال يحيطونها، بينما قام شرطي من الخلف بدفعها بالحواجز الحديدية، وهكذا وجدت نفسها معتقلة، والسبب: “الاشتباه بأنها ضربت شرطياً وقامت بالتكبير أمام المستوطنين”.

اقتيدت عبير عودة إلى مركز شرطة الاحتلال المسمى “بيت إلياهو” في حي باب السّلسلة غرب المسجد الأقصى. ما إن أغلق الباب عليها، حتى بدأ يعلو صوتها بالصراخ المستغيث، وقد سمعته إحدى صديقاتها خارج مركز التوقيف الإسرائيلي. كانت عبير عودة حينها تتعرض للضرب العنيف من قبل 5 من أفراد شرطة الاحتلال تجمعوا حولها، واعتدوا عليها بأيديهم وأرجلهم في مختلف أنحاء جسدها.

“خرجت من هذا الاعتقال ولدي رضوض في قدميّ ورضوض في جبيني، وآثار “خرمشة” على خدي”، تقول عبير عودة. وما زالت حتى اليوم تعاني من مضاعفات صحيّة في جسمها من أثر هذا الاعتداء. “في كلّ مرة أسمع عن سيدة تعتقل أبكي، لأنني أتخيل فوراً أنها تتعرض لما تعرضت له من اعتداء وحشي”، تقول عبير عودة. أفرج عن الشابة العشرينية مساء ذات اليوم بقرار من المحكمة الإسرائيلية بإبعادها عن الأقصى لمدة 30 يوماً.

23 قرار بالإبعاد خلال شهر يناير

ليست عبير عودة وحدها، فمعها مجموعات كبيرة من الفلسطينيات المصّرات على التواجد في المسجد الأقصى ورفض اقتحامات المستوطنين. وقد اعتقلت خلال شهر يناير الماضي  وحده 25 سيدة وفتاة فلسطينية من القدس من بينهن 23 اعتقلن من المسجد الأقصى المبارك أو حين الخروج منه، ووجهت إليهن تهم تتعلق بالتكبير والتصدي للمستوطنين المقتحمين.

وقد صدرت أوامر إبعاد عن المسجد الأقصى بحق الـ23 سيدة لمدد تتراوح ما بين 15 يوماً إلى 30 يوماً. من بينهن قاصرتان تتعلمان في المدرسة الثانوية الشرعية الموجود مقرها داخل المسجد الأقصى، حيث سمح لهما فقط بالتواجد داخل مبنى المدرسة، على أن يغادروا المكان فور انتهاء الدوام مباشرة، وذلك لأسبوعين. هذا بالإضافة إلى الطفلة حور عابدين (14 عاماً) وهي أصغر المبعدات عمراً، وأبعِدَتْ لـ 15 يوماً.

مبعدات.. ولكن مرابطات على الأبواب

إضافة إلى المبعدات في شهر كانون الثاني يناير، هناك على الأقل 4 فلسطينيات مبعدات عن المسجد الأقصى لـ3 شهور، وتنتهي مدة ابعادهن في نهاية شهر شباط أو بداية آذار. لا تثني قرارت الابعاد الطويلة هذه المرابطات الفلسطينيات عن “أقل الإيمان”، وهو المرابطة على أبواب المسجد الأقصى، في أقرب نقطة له قبل أن توقفهن الحواجز الحديدية لشرطة الاحتلال الإسرائيلي.

هنادي الحلواني، لطيفة عبد اللطيف، دلال الهشلمون، وزينة عمرو، وغيرهن، أُبعِدن لـ3 شهور، ولا يمنعهن ذلك عن التوجه يومياً إلى أبواب المسجد الأقصى والمرابطة هناك لـ4 ساعات على الأقل. وفي حال غيّبت الظروف الحياتية بعضهن، لن يهبط ذلك من عزيمة الواحدة منهن على المرابطة وحدها طوال تلك الساعات، لسان حالها: “إن لم تكن مع الجماعة، فكن أنت الجماعة”.

لطيفة عبد اللطيف (24 عاماً)، مبعدة منذ تشرين الأول 2014، تستغل اتقانها للغة الإنجليزية لنقل قضية المسجد الأقصى ومحاولات تهويده إلى السّياح الأجانب المارّين في “درب الآلام”، الطريق الذي يعتقد المسيحيون أن المسيح مرّ به حاملا صليبه، والذي يقع بمحاذاة الأقصى من الجهة الشّمالية.

في إحدى المرات، وقفت لطيفة مع زميلاتها المبعدات عن الأقصى، وإلى جانبهن لافتات كرتونية كبيرة مكتوبة باللغات الثلاث العربية والعبرية والإنجليزية: “إذا أردت أن تعرف لماذا نقف هنا، اسألنا”، “إن أبعدوا جسدي عن الأقصى فلن يبعدوا روحي”. لاقت تلك الفكرة نجاحاً ولفتت نظر المارّين الفضوليين من السّياح الأجانب. “كنا في تلك الأيام نبقى هناك أكثر من 5 ساعات لكثرة من يسألنا ويتوجه لنا لفهم ما يحدث”.

أما هنادي الحلواني، مبعدة أخرى عن الأقصى لثلاثة شهور، وهي إحدى المركزات الإداريات في مشروع “مصاطب العلم في المسجد الأقصى”، فلم يمنعها الابعاد عن اكمال مسؤولياتها الإدارية. “أقف عند أحد الأبواب، وتخرج الطالبات في مصاطب العلم لملاقاتي والتعبير عن تضامنهن معي، بينما أنجز بعض مهامي وأنا مرابطة على باب الأقصى”.

وتشدد الحلواني على أنها ترفض أن تنقل حلقات العلم القائمة في الأقصى إلى خارجه، كنتيجة لإبعادها وإبعاد عدد من المدرسات. تقول: “في بعض الأحيان تأتي بعض الطالبات لأراجع لهن قواعد التجويد، ولكن ذلك لا يكون على حساب رباطهن داخل الأقصى في الأوقات التي تقع فيها اقتحامات المستوطنين”.

تضيف الحلواني في حديثها مع العربي الجديد: “نحن هنا نوصل رسالتين: الأولى لسلطات الاحتلال بأن الابعاد لن يؤثر فينا ولن ينجح في تخويفنا وثنينا عن حبّ الأقصى، والثانية: لاولئك الذين لم تطالهم قرارات الابعاد بأن يثابروا على التواجد في الأقصى، ويقوموا بالدور الذي منعنا نحن من أدائه داخله”. وأثناء حديثنا مع الحلواني وعبد اللطيف، ترددت تحيات السّلام من المارّة أكثر من مرة، بعضهم يضيف إلى السّلام الدعاء بالتوفيق والنصر للمرابطات، بينما لا يقصر الجيران في توزيع المياه على المرابطات وسؤالهن عما يحتجن.

وبينما تجلس المبعدات للتعبير عن رفضهن للابعاد على أبواب الأقصى، تستمر داخل المسجد حلقات العلم مستقطبة حولها ما يقارب 150 سيدة وفتاة يومياً. لا تنكر الحلواني أن سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة بحقّ المسجد الأقصى والمرابطين فيه قد أدت إلى انخفاض في أعداد المنضمات إلى حلقات العلم، ولكن الانخفاض لم يكن كبيراً. “بطبيعة الحال وكوننا نعيش في مجتمع عربي محافظ، فإن بعض الفتيات والسيدات لم يعد بمقدورهن الالتحاق بالمصاطب في الأقصى، لخوف أقاربهن الذكور من اعتقالهن أو الاعتداء عليهن”، تقول الحلواني.

في المقابل، تدرك مخابرات الاحتلال مواطن الضعف الاجتماعية هذه، وتستغلها في الضغط على النساء عند التحقيق معهم. ويتصل أفراد المخابرات الإسرائيلية في بعض الأحيان مع أزواج المرابطات وتهديدهم، ومحاولة استيثار غضبهم تجاه زوجاتهم، كالقول لهم: “ألا تحكمون على نسائكم؟؟ كيف تسمحوا لهن بالخروج”. إحدى المرابطات (45 عاماً) روت للعربي الجديد كيف هدد أحد أفراد المخابرات الإسرائيلية زوجها وقال له: “احرص على ابنك”، علماً أن لديه ابناً وحيداً بين سبع أخوات.

هذا وقد سبق أن أصدر وزير الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون في أيلول الماضي قراراً يقضي بإغلاق مؤسسة عمارة الأقصى والمقدسات التي كانت ترعى مشروع “مصاطب العلم في المسجد الأقصى”، إلا أن هذا الإغلاق لم يؤثر على عزيمة المرابطات وطالبات العلم على حدّ تعبير الحلواني. ” مشروعنا ليس مشروع مؤسسة أو مشروع جهة معينة، هو مشروعنا مع الله، ونحن أخذنا على عاتقنا مسؤولية الدفاع عن المسجد الأقصى”.

وتلفت الحلواني النظر إلى ارتفاع ملفت في أعداد أوامر الإبعاد، وإلى تزايد الاعتداءات الإسرائيلي على النساء المرابطات في الأقصى. “في الماضي كان ضابط شرطة الاحتلال يكتفي بالوقوف بعيداً عن حلقة العلم وتصويرها بخاصية “الزووم”، أما اليوم فإنهم وقحون في الاقتراب أكثر فأكثر وتصوير كافة الموجودات”.

إضافة إلى ذلك، تحاول سلطات الاحتلال تهديد المرابطات ومحاصرتهن عبر أذرعها المختلفة . فقد تلقت ما يقارب 10 سيدات من المرابطات أوامر هدم إدارية من قبل بلدية الاحتلال في القدس تقضي بهدم بيوتهن بحجة عدم الترخيص. وتكتسب هذه الأوامر طابع التهديد والترهيب، وتوّجه بشكل مباشر إلى المرابطات بأسمائهن، مع العلم أن البيوت التي يسكنّ فيها ليست مسجلة بأسمائهن، وأن بعضها مرخص فعلاً ولا “حجة قانونية” في هدمه.

لا تبدو أن هذه السياسة الاحتلالية ستتوقف عما قريب، في ظلّ غياب هذه القضية عن أجندة العرب والمسلمين، فيما تتوقع المبعدات أن تُجدد قرارت إبعادهم حين انتهائها وذلك مع اقتراب عيد الفصح اليهودي في نيسان المقبل، حيث تتكثف الدعوات الاستيطانية لاقتحام الأقصى.

ماذا بعد؟ الإجابة لدى الحلواني لا يهزّها الشّك ولا يرافقها التردد، “الأقصى ثمنه غالٍ”.

نشر على جريدة العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s