الرصاص المطاطي: سلاح الاحتلال القاتل في مواجهة الفلسطينيين في القدس

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

خرج صالح سامر محمود (12 عاماً) من منزله في قرية العيسوية شرق القدس إلى محل الخضروات القريب ليجلب لأمه ما طلبته لتحضير وجبة الغذاء، ومنذ ذلك الحين تغيّرت حياة صالح وعائلته. في الثالث عشر من تشرين الثاني 2014، وبينما كانت تجري مواجهات مع شرطة الاحتلال الإسرائيلي على مدخل العيسوية، أصابت رصاصة مطاطية صالح في طرف عينه اليسرى، فكسرت عظمة أنفه، واخترقت عينه اليمنى فأفقدته إياها تماماً. في أكثر من مرة اتصلنا مع والده سامر يعتذر عن الحديث معنا لانشغاله مع طفله المصاب وعلاجاته الكثيرة.

قبل أيام قليلة وبعد غياب 3 شهور، عاد صالح إلى المدرسة وإلى أصدقائه في الصّف السّادس. “كان صالح متفوقاً ونشيطاً في المدرسة، ويجب المشاركة في كلّ الفعاليات”، تقول أم صالح للعربي الجديد، أما اليوم فهو لا يخرج من البيت إلا عندما تأتي المعلمة لاصطحابه، لتقوم بمرافقته طوال الدوام الدراسي. فقد صالح عينه اليمنى تماماً، وزرعت له مكانها عين اصطناعية، كما وضعت له مكان عظمة الأنف قطعة بلاتين.

“برنامجه الأسبوعي مشغول جداً، يذهب للعلاج النفسي، ويذهب لجلسات التجميل لوجهه، ويذهب لإجراء فحوصات لعينه اليسرى التي تضررت فيها الرؤية بشكل كبير”، تقول أم صالح. بينما ينشغل صالح في نهاره في المدرسة وفي زيارة الأطباء، تشغله في الليل الكوابيس. تقول أمّه أنه كثيراً ما يحلم بـجندي إسرائيلي يعتقله أو يؤذيه، ويصحو فزعاً من نومه يردد عبارات مثل: “أنا لا أرى، شطبوا لي عيني”.

عام 2014.. اصابات مرتفعة بالرصاص المطاطي

ليس صالح وحده من غيّرت رصاصة “مطاطية” مجرى حياته، فبحسب تقديرات محلية، سجلت في القدس المحتلة في النصف الثاني من العام الماضي ما يقارب 25 إصابة بالغة بالرصاص المطاطي، 4 منها على الأقل في منطقة العين، بينما قتلت إحداها الشهيد الطفل محمد سنقرط (16 عاماً) بعدما أصابته في الرأس. وكانت أولى هذه الإصابات البالغة قد نالت من العين السليمة المتبقية للشاب تيسير صندوقة (31 عاماً)، أثناء مشاركته في جنازة الطفل محمد أبو خضير في تموز الماضي.

أحمد الشرباتي (14 عاماً) أصيب كذلك برصاصة مطاطية بالقرب من عينه بينما كان أحمد برفقة والده في المسجد الأقصى المبارك في ليلة السابع والعشرين من رمضان الفائت. أصيب أحمد برصاصة مطاطية بالقرب من حاجبه، فأصابه نزيف في دماغه ونزيف آخر داخل العين. يروى والده أن ابنه بقي 3 أيام في غرفة الانعاش حتى زال الخطر عنه.

تأثرت الرؤيا في عينه المصابة ولكنها تتحسن شيئاً  فشيئاً، ويحتاج أحمد إلى عدة عمليات تجميل من أجل التخفيف من أثر الرصاصة المطاطية. “أثرت هذه الإصابة على نفسية أحمد بشكل كبير، أصبح يتأثر بدرجة أكبر بما يحصل من أحداث سياسية في القدس، وأصبح سريع العصبية”، عدا عن ذلك، تأثر التحصيل الاكاديمي لأحمد بشكل كبير، فبعد أن كان من الأوائل في مدرسته، تدنى معدله السنوي في ظلّ وضعه الصحي الحساس.

وكان أصغر المصابين بالرصاص المطاطي خلال العام الماضي في القدس الطفل محمد جمال عبيد (7 سنوات)، الذي أصيب في عينه بعد مغادرته حافلة الروضة التي أوصلته لباب بيته في العيسوية. تقول أم محمد أن الشبكية في عينه المصابة تضررت بشكل كبير، وأنه يرى بشكل جزئي اليوم. وتختم حديثها للعربي الجديد: “كان ابني مثل الوردة، أما الآن فهو يخاف من الخروج من البيت ودائماً يريد من يرافقه”.

ما هو الرصاص المطاطي؟

تستخدم قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يُسمى بالرصاص المطاطي منذ ثمانينات القرن الماضي، وبحسب تقارير فقد قتل هذا الرصاص خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى على الأقل 58 فلسطينياً، استشهدوا في الفترة ما بين يناير 1988 وحتى تشرين الثاني من عام 1998، منهم 28 طفلاً. وتشير ذات التقارير أن هذا السلاح قتل ما بين عام 2000 وحتى عام 2012 على الأقل 18 فلسطينياً منهم 12 طفلاً.

والرصاص المطاطي هو رصاص من فولاذ أو معدن قطره 40 ميليمتر، مغلف بطبقة رقيقة من المطاط. ويستخدم اليوم في مدينة القدس نوعان من هذا الرصاص، الأسود والأزرق.

وقد بدأ استخدام الرصاص المطاطي الأسود مع بداية المواجهات التي شهدتها المدينة منذ تموز 2014، وهو أكثر وزناً وأخطر إصابةً من الرصاص المطاطي الأزرق، فيما يبدو ذلك إحدى الإجراءات التنكيلية التي فرضتها سلطات الاحتلال على القدس بعد استشهاد الطفل أبو خضير.

وتروّج شرطة الاحتلال الإسرائيلي الرصاص المطاطي بنوعيه الأسود والأزرق تحت عنوان “الأسلحة لتفريق المظاهرات”، وبحسب تعريفها لهذه الأسلحة فإنها “أسلحة تهدف إلى فرض النظام وتفريق المظاهرات، بدون التسبب بأذى لحياة البشر”. إلا أن الإصابات الكثيرة التي سجلت العام الماضي في القدس، تشير أن وصف “المطاطي” لا يليق بحجم ما يتركه هذا الرصاص من إصابات بالغة.

وفي المقابل تُحذّر تقارير حقوقية متكررة إلى أن ما يدرج تحت هذا التعريف من الأسلحة هي في الحقيقة أسلحة قاتلة. وتتهم منظمات حقوقية إسرائيلية جيش وشرطة الاحتلال عادة بأن التعليمات التي تعطي للجنود وأفراد الشرطة بخصوص استخدام هذا النوع من الأسلحة غير واضحة وغير ملائمة، عدا عن أنها تخترق بشكل ممنهج وواسع.

وكانت جمعية حقوقية إسرائيلية باسم “جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” قد طالبت بداية الشّهر الجاري المستشار القضائي لحكومة الاحتلال الإسرائيلي بفتح تحقيق في استخدام الرصاص المطاطي الأسود خلال المواجهات التي شهدتها مدينة القدس في النصف الثاني من عام 2014. وتقول الجمعية أن دليل الاستخدام المرافق للرصاص المطاطي الأسود الجديد ساري المفعول منذ الأول من يناير 2015 فقط، مما يعني أن جنود الاحتلال كانوا يستخدمونه طيلة الفترة السابقة بدون وجود أي تعليمات أو معايير تحذيرية مرفقة.

وبحسب دليل الاستخدام المرفق مع هذا السلاح، وتحت بند “قواعد الأمان”، كتب أن على الجنود التعامل مع هذا السّلاح وكأنه رصاص حيّ، ويبدو ذلك كأنه اعتراف ضمني بخطورة هذا السّلاح وأنه يسبب القتل في ظروف معينة، بينما تروج له سلطات الاحتلال وكأنه “سلاح خفيف” مصمم فقط لتفريق التجمهرات.

وفي بند كتب بالخط العريض، يذكر دليل الاستخدام أن على الجندي توجيه هذا النوع من الرصاص إلى الجزء السفلي من جسم الانسان فقط، وأن الهدف منه هو “إصابة المتظاهر إصابة غير حادة، تؤدي إلى إعاقة حركته مؤقتاً لتسهيل اعتقاله”. وغنيٌ عن القول بأن “القوانين والتعليمات” في دولة الاحتلال ليست هي القول الفصل، وأن ما يحدث على أرض الواقع هو الدّال والمهم. فأغلب المصابين بالرصاص المطاطي في مدينة القدس أصيبوا في القسم العلوي من أجسادهم، وبالأخص في منطقة الوجه، وأن الهدف كان إصابتهم وليس السيطرة عليهم لاعتقالهم لاحقاً، كما يدّعي دليل الاستخدام.

وبغض النظر عن المطالبات الحقوقية التي تصدرها جمعيات إسرائيلية، فإن المنطق الإسرائيلي يحكمه الأمن لمستوطنيه. يبدو ذلك واضحاً من ردّ أحد أفراد شرطة الاحتلال على والد الطفلة آلاء حمدان (15 عاماً) والتي أصيبت برصاصة مطاطية في وجهها بالقرب من منطقة العين. قال والد آلاء للعربي الجديد: “ذهبت لمركز شرطة الاحتلال لتقديم شكوى بخصوص إصابة ابنتي فردّ علي الشرطي: طالما استمرت المواجهات في العيسوية، فهذا ما سيحصل لكم”.

نشر في صحيفة العربي الجديد*

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s