سياسات الضبط “الناعمة” .. سعي إسرائيلي لاحتواء غضب القدس

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

*نشر هذا المقال بنسخة أقصر في جريدة العربي الجديد

” فإنما يجب أن نقتنع بأن الاستعمار عاجز عن أن يوفر للشعوب المستعمرة الظروف المادية التي يمكن أن تنسيها اهتمامها بالكرامة. وكلما فهم الاستعمار إلى أين يمكن أن يجرّه أسلوب الإصلاحات الاجتماعية رأيناه يعود إلى طرائقه السّابقة، فيعزز قوى الشّرطة، ويرسل فرق الجيش، ويقيم نظاماً إرهابياً يتلاءم مع مصالحه ونفسيته تلاؤماً أكمل”. فرانز فانون، معذبو الأرض، ص 169.

*****

“لا تضرب مش منيح، هات إيدك، والتانية، أصدقاء مناح بنكون”، بهذه الكلمات العربية، ومن ثم بمثل معناها بالعبرية، أدت طفلتان من القدس المحتلة رقصة تعبيرية بسيطة وهما ترتديان زي الفراشات الزهري، أمام رئيس بلدية الاحتلال نير بركات خلال زيارته الاثنين الماضي لروضتهما في صور باهر. ومن المعلومات القليلة هذه يمكنك بسهولة أن تعرف أن الصديق الذي يجب أن تدعونا الطفلتان البريئتان أمام هذا الوضع المعقد أن نكون “جيدين” معه هو “الآخر اليهودي”.

وحتى نجيد صداقة هذا “اليهودي”، حضرت الروضة لرئيس بلدية الاحتلال الفطور الفلسطيني التراثي، خبز الطابون، والزيتون والجبنة البلدية، وغيرها. طبعاً، فإكرام “الضيف” خطّ أحمر لدينا نحن العرب. ولا بد عند إكرامه إظهار “عزوتنا”، وبهذا لم يقتصر المستقبلون لبركات على طاقم المدرسة، بل جاء عدد من “الوجهاء” من قرية صور باهر ليكونوا في مقدمة هذه الحدث الجليل.. لعلهم يحظون ببعض “القبول”.

صورة نشرت على صفحة الفيسبوك الخاصة بالروضة لزيارة نير بركات رئيس بلدية الاحتلال للروضة

صورة نشرت على صفحة الفيسبوك الخاصة بالروضة لزيارة نير بركات رئيس بلدية الاحتلال للروضة

تأتي زيارة بركات إلى هذه الروضة العلاجية في صور باهر ضمن رؤية واسعة يحملها بركات ويشجعه عليها مستشاره لشؤون شرقي القدس دفيد كورين، تسعى إلى محاولة استقطاب المقدسيين واستمالتهم إلى جهة بلدية الاحتلال، باعتبارها الخيار الواقعي العقلاني الذي يجب أن يختاره من هم في ظروفهم، فلا السّلطة الفلسطينية قادرة على تقديم ما هو حقيقي وفعلي لهم، ولا هم قادرين على بناء مجتمع عصامي شامل غير مرتهن لمؤسسات الاحتلال الإسرائيلي.

وتؤمن تلك الرؤية بأن “القوة لا تنفع طول الوقت ومع كلّ الناس، من يستعمل العنف سنردعه ونعاقبه، ومن هو جيد سنمد أيدينا إليه، ونحقق له مصالحه ونوفر له بعض عوامل الحياة المعيشية المقبولة، وفي نهاية الأمر نضمن ولاءه لنا”. أما “العنف” فكلنا يعرف تجلياته: رصاص، اعتداء، غاز، هدم بيوت، كاميرات مراقبة، اعتقال، وغيره. أما وسائل الاستمالة أو ما أسميه هنا سياسات الضبط “الناعمة”، فهي قلّما تتصدر قائمة الأخبار المحلية في المدينة المحتلة.

في هذا التقرير الطويل أحاول قدر الإمكان استعراض بعض تقنيات هذه السياسة.

=================================================

 بعد المواجهات المشتعلة مع قوات الاحتلال في القدس المحتلة منتصف العام الماضي، دار النقاش الإسرائيلي حول رؤيتين إسرائيليتيين للإجابة على السّؤال المُلِح: “كيف نعيد الهدوء للقدس؟”. هاتان الرؤيتان ليستا بالضرورة منفصلتان من حيث المنطق والتطبيق، بل هما أشبه بسياسة العصا والجزرة.

 تشجع الرؤيا الأولى استخدام كافة تجليّات القوّة العنيفة حلاً يقضي على المواجهات مع المقدسيين. “هؤلاء صبية صغار مدفوعون من قبل بعض التنظيمات الفلسطينيية، سنخيفهم بالأسلحة وبمزيد من العقوبات، أي سنرد العنف بالعنف”، وفق التعبير الإسرائيلي. وفقاً لذلك، ازداد التواجد الشرطي الإسرائيلي في الأحياء الفلسطينية، وتكثّف استخدام الأسلحة في مواجهة أجساد المقدسيين، وكذلك أوامر الإبعاد العسكرية لعدد من النشطاء المجتمعيين والسياسيين إلى خارج القدس، والدفع نحو هدم بيوت منفذي العمليات الفدائية.

كما صدرت الدعوات لتشديد العقوبة القانونية على ملقيّ الحجارة والزجاجات الحارقة، ورافق ذلك التهديدُ بمعاقبة الأهالي وتحويل أي ملف أمنيّ لطفل معتقل إلى يد بلدية الاحتلال للبحث عن أي مخالفة بناء أو ديون بلدية متراكمة على والده، في سعي واضح لتحويل السلطة الأبويّة داخل الأسرة إلى جهاز شرطي استعماري.

قوّة المستعربين تعتقل أحد الشّبان المقدسيين في وادي الجوزا - آب 2014، تصوير مصطفى الخاروف

قوّة المستعربين تعتقل أحد الشّبان المقدسيين في وادي الجوزا – آب 2014، تصوير مصطفى الخاروف

 سياسات الضبط الناعمة.. الرؤيا طويلة المدى

 أما الرؤيا الثانية وهي الأخطر والأطول مدىً، فترى إنه ليس باستطاعة القوة العنيفة إنهاءُ كلّ شي، إنّها تردع بعض الوقت، لكنها لا تحلّ الأمر من جذوره، “قد تهدم بيت منفذ عملية الدهس ولكنك لن تمنع بذلك جاره من تنفيذ عملية مشابهة”. وهكذا يحمل هذا الطرح حلولاً ومشاريع إسرائيلية ذات ملامح “ناعمة وخفية” لتفعيل القوّة.

يندرج تحت هذا الطرح الجهود الحثيثة لاستمالة المقدسيين وكسب أفئدتهم وعقولهم تدريجياً حتى تصبح مؤسسات الاحتلال المختلفة هي عنوانهم الأول. فالمقدسيون وحيدون في الميدان، لا يملكون بين أيديهم رؤية تنموية مستقلة عن أجهزة السلطة الاستعمارية الإسرائيلية، ولا تقدم لهم الحركة الوطنية الفلسطينية أي رؤية أو سياسة مجتمعة تحريرية جادّة تغنيهم عن الارتباط بمؤسسات الاحتلال.

بينما تستغل هذه الأخيرة وعلى رأسها بلدية الاحتلال هذا الأمر، فتطرح نفسها الحضن الوحيد الذي يمكن أن يضمن للمقدسيين “النجاح والتقدم في حياتهم”. يرتبط تعريف هذا “النجاح” بنزع التسييس من خطاب المقدسيين وتحويله إلى خطاب حقوقي بحت، لا يسعى إلى التحرر من الاستعمار بدرجة أولى، وإنما يسعى في حدّه الأعلى إلى تحسين ظروف الحياة المعيشية من صحة وتعليم وفرص عمل وغيرها، ومحاربة “التمييز في الميزانيات بين شرقي القدس وغربها”، لا أكثر. (نذكر هنا مجموعة “ميني اكتف”، وهي مجموعة من النساء المقدسيات أسستها جهات ذات علاقة بالبلدية، تعمل على استقبال شكاوى الناس حول البنية التحتية في مناطقهم لتحويلها إلى البلدية).

 وقد عبّر نير بركات رئيس بلدية الاحتلال عن هذه الرؤيا في أكثر من مناسبة، كان آخرها مؤتمر معهد الأمن القومي الإسرائيلي في فبراير الماضي،  قائلاً بأنه “سعيد لحقيقة أن الطريقة التي يحتج بها المقدسيون على نقص الصفوف المدرسية في أحيائهم هي الاعتصام أمام مبنى البلدية”، مفسراً ذلك بالقول: “إنهم يرون فينا العنوان”.

ولا يخلو هذا النهج من تذكير مستمر بأوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، لا بل حتى من التذكير بالأوضاع المأساوية “المتطرفة” في سوريا وسائر العالم العربي بهدف المقارنة، فبعد الحديث عن العالم العربي يقول بركات: “أين بالضبط تظنون أن سكان شرقي القدس يريدون أن يكونوا؟.. يريدون أن يروا أنفسهم مقدسيين، يريدون أن ينجحوا، يريدون تربية جيدة لأولادهم، يريدون مستشفى متقدما وذا مستوى، يريدون فرص عمل وجودة حياة. وتماما حول هذه القضايا نحن مشغولون معهم، على الوجه الأكثر عملية”.

 ليس هذا فعلياً ما يريده المقدسيون، إنما ما تريده البلدية منهم أن يتوهموا إرادته وأن يبنوا حوله جوهراً لوجودهم على هذا الحيز الحساس من أرض فلسطين. يمكن وفق هذه الرؤية للمقدسي أن يعترض على شارع غير مؤهل أمام بيته، هذا محبذ ومحمود،  أما السياسة فهو أضعف من ممارستها، فليكن “عملياً وواقعياً” وينشغل بحياته اليومية، وبهذا يضمن “النجاح”.

 البحث عن “العربي الجيد”

 للدفع بالأفكار المذكورة أعلاه، لا بدّ من خلق المؤسسات والشّخصيات المقدسية لتقوم بدور الوسيط أمام مجتمعها. وخلال تأدية هذا الدور يحصد بعض هؤلاء منافع شخصية مقابل التخلي عن مبادىء وطنية، أو في حالات آخرى،  يعملون على إعادة تعريف للوطنية باعتبارها “تحسينا للظروف المعيشية” لا أكثر. وفي أضعف الإيمان تتعذر تلك الشخصيات بضعفها وقدم قدرتها على الرفض نتيجة لضغوط كسب الرزق.

jpgaj

وليست مثل هذه التحركات بالأمر الجديد، فهي سياسة قديمة ترافق تاريخ الاستعمار، إلا أن تطورات الأوضاع وتغيير وسائل التأثير وتبدل المصالح أحيانا تستدعي أن تقوم سلطات الاحتلال بالبحث عن وجوه جديدة، وتوسيع وفتح آفاق جديدة مع من “يطبلون لها”، ويقومون بدور “العربي الجيد”.

 أما أهم هذه الشخصيات التي يسعى الاحتلال لتوظيفها فهي مدراء المدارس ومدراء المراكز الجماهيرية والتجار والمخاتير.
يقول عنهم بركات في نفس الخطاب المذكور أعلاه: “..يفهمون جميعاً بالضبط ما الذي يجب فعله لتحسين الظروف المعيشية لدى السكان العرب.. ونتمتع وإياهم بلغة مشتركة بشكل رائع”. وبهدف تعزيز العلاقات القائمة وإيجاد فرص لعلاقات جديدة،  قام بركات أواخر العام المنصرم بعدة جولات في الطور وجبل المكبر وشعفاط وصور باهر، شملت جولات إلى المدارس والأسواق التجارية بشكل خاصّ. البيان الصّحافي الصّادر عن البلدية بشأن هذه الجولات معنوّن بكل وضوح بالجملة: “جهود حثيثة لتهدئة الأوضاع في القدس”.

 وفي يناير الماضي زار قائد لواء القدس في شرطة الاحتلال برفقة بركات إحدى مدارس القدس التي شهدت نسبة عالية من اعتقالات الطلاب، بهدف “طرح  المواضيع ذات الاهتمام المشترك كأعمال الاخلال بالنظام والعمل الدوري الحثيث مع التعاون على مكافحتها ومواجهتها”، بحسب بيان الشّرطة.

89

بركات برفقة قائد الشرطة في المدرسة الشاملة في الطور

 وفي ضوء التركيز على المدارس ومدرائها، أطالت مدارس البلدية في الأحياء التي اعتادت المواجهات كرأس العامود وشعفاط اليوم المدرسي حتى الساعة السادسة مساءً، يشمل ذلك دورات تصوير وفن ورياضة وغيرها، بميزانية تصل إلى 2 مليون شيكل. بالتعبير الفلسطيني المحلي “بدهم يضبوا الأولاد”، أي تريد سلطات الاحتلال منع رشق الحجارة على شرطتها ومستوطنيها، فتشغل الطلاب ببرنامج دراسي طويل، تفصح أحيانا عن نيته الحقيقة، بينما تدعي أحياناً أخرى أنه جاء لتعويض التأخر في إنجاز مواد المنهاج الدراسيّ.

 وبما أن الحديث عن المدارس لا ننسى المحاولات الحثيثة لفرض المنهاج الإسرائيلي أو في أسوأ الأحوال المنهاج الفلسطيني المحرف، فقد رصدت بلدية الاحتلال لعام 2015 ستة ملايين شيكل لطباعة المنهاج المحرّف وتوزيعه على المدارس.

 تكثيف النشاط الإعلامي باللغة العربية

وفي محاولة بلدية الاحتلال الترويج لنفسها بين المقدسيين كجهاز “يعمل لأجلهم ويجتهد لخدمتهم وراحتهم”، أنشأت في نوفمبر 2014 صفحة فيسبوكية بالعربية خاصّة لرئيس البلدية، تنقل أخباره وتحركات بلديته وعملها في الأحياء الفلسطينيية (صفحة بركات باللغة العبرية موجودة منذ فبراير 2012). وفي دعاية رخيصة لا تنطلي على المقدسي “ابن البلد”، تنشر الصفحة في إحدى منشوراتها الأولى صور لطواقم البلدية يقومون بإزالة الخزانات الحديدية المنصوبة في أحد أزقة البلدة القديمة للقدس، مرفقة بتعليق أن هذا العمل يسهل “وصول المصلين المسلمين لأداء الصلاة في المسجد الأقصى”، بينما لم تتوانى شرطة الاحتلال خلال تلك الفترة في منع المصلين وتحديد أعمارهم.

وفي دلالة على جدية هذا التوجه من قبل البلدية، لم يُكلّف به قسم الإعلام فيها كما هو متوقع، إنما استحدثت وظيفة جديدة في هذا العام تتبع مباشرة لمكتب رئيس البلدية، تحت اسم “مساعد مستشار رئيس البلدية لشؤون شرقي القدس”. وينشغل الموظف الإسرائيلي الذي يشغل هذا المنصب بالتواصل مع بعض وسائل الإعلام الفلسطينية في محاولة لضمان حيز في مواقعهم أو صحفهم لأخبار البلدية ونشاطاتها، لضمان الوصول لمختلف شرائح المقدسيين وبثّ الدعاية الإسرائيلية.

وقد دعا رئيس بلدية الاحتلال عدداً من الصحفيين الفلسطينيين مع صحفيين أجانب وإسرائيليين إلى مؤتمر صحفي في فبراير الماضي للحديث عن الميزانيات الجديدة التي ستخصص لشرقي القدس بشكل خاصّ، وسط تسويق لها أنها “لصالح العرب”. وفي حين يعتبر مثل هكذا لقاء “محرماً وطنياً” في رؤية المجتمع المقدسي الوطنية، شارك 3 صحفيين مقدسيين فيه غير مدركين أنهم قد يكونوا بهذا أداة في الجهاز الإعلامي الاستعماري لبلدية الاحتلال.

وفي حين قامت “جريدة القدس”، الجريدة الأولى فلسطينياً والتي ابتعثت أحد صحفييها للمؤتمر، بنقل تصريحات بركات فيه بشيءٍ من الحذر ووضعها في سياقها السياسي الساعي للتهويد، لم يكلّف محررو أحد المواقع الإلكترونية المحليّة، والتي تواجد مراسلها كذلك في المؤتمر، لم يكلفوا أنفسهم بسياسة تحرير صحفية مهنية بما يتوافق مع الرؤية الوطنية لصحافة يفترض أنها تنتمي لمجتمع مُحتل. ليس أدل على ذلك من قيام موقع بلدية الاحتلال الالكتروني بنقل تقرير هذا الموقع المحليّ حرفياً ونشرها على صفحاتها دون أي تعديل، فالخط التحريري الإعلامي يبدو قد حاز الرضى. ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر قيام شرطة الاحتلال العام الماضي باستدعاء أحد الصحفيين المقدسيين والتحقيق معه لاستخدامه عبارة “بلدية الاحتلال” في منشوراته على الفيسبوك بدلاً من “بلدية القدس”.

دور متوقع للمراكز الجماهيرية

المراكز الجماهيرية، هي مراكز “مجتمعية” (مع هلالين) تتوزع في القدس حسب تقسيماتها الجغرافية والديموغرافية، وتتبع بشكل مشترك لبلدية الاحتلال ولشركة اسرائيلية خاصة، يقول الإسرائيليون أن هدفها تخفيف ضغط العمل على البلدية. بشكل عام، تتنوع نشاطات المركز الجماهيري بحسب المدير والميزانيات والحي الذي يتواجد فيه، وتبدأ هذه النشاطات من دورات ودروس تقوية وصولاً إلى متابعة شؤون البنية التحتية في الحيّ من شوارع ورخص بناء وغيرها. ولكن بطبيعة السياق الاستعماري الذي تعيشه المدينة لا يمكن فصل “الطابع المجتمعي” او المعيشي عن الدور السياسي، ففي نهاية المطاف من وظائف المركز الجماهيري تمثيل المقدسيين أمام جهاز استعماري هو البلدية، وهو في ذات الوقت ذراع محليّ لها.

 يوجد في شرقي القدس 8 مراكز جماهيرية، (صور باهر، البلدة القديمة، الطور، العيسوية، بيت صفافا، بيت حنينا، وادي الجوز، ضواحي القدس ويشمل أحياء ما وراء الجدار)، وبينما يرفض مدير أحدها أن يكون ممثلاً لسياسات البلدية أمام الفلسطينيين كما يزعم، يحاول مدير آخر تولى منصبه العام الماضي حثيثاً إثبات “صدقه” ونواياه أمام الاحتلال، ولا يخجل من القول بأنه يريد منع الشبان من إلقاء الحجارة، وطريقته في ذلك أن “يصطحبهم إلى مركز التوقيف الإسرائيلي ليروا نهايتهم في حال سلكوا هذا الطريق”. ويفخر – بلا خجل – بأن بلدية الاحتلال وجدت فيه “مديراً حكيماً وجيداً يعرف كيف يطالب بحقوقه ويخدم أبناء بلده”.

jpgo

والحقوق التي يقصدها هنا ليست سوى “حقوق معيشية” كوجود شارع معبّد، أو مدرسة ملائمة، ولا تطرق أبداً لأية حقوق سياسية.يلخص ذلك المدير رؤيته بمقارنة غير بريئة بتاتا فيقول: “شو احسن يطلعوا ولادنا متعلمين وبعرفوا يطالبوا بحقوقهم، ولا يطلعوا جاهلين وفي الشوارع”، وبطبيعة المقارنة فهؤلاء الذين لا نريد أن يكون أبناؤنا مثلهم “الذين في الشوارع، أي الذين يلقون الحجارة مثلاً”

 وفي تعبير واضح وصريح عن دور هذه المراكز الجماهيرية، اشتكى أحدهم من ضعف ميزانية النشاطات اللامنهجية للفتية في مركز جماهيري في حي فلسطيني قلما يشهد مواجهات مع الاحتلال. ردّ عليه أحد الموظفين الإسرائيليين في البلدية مازحاً، وفي مزحه كثير من الحقّ: “إذا أصبح أولادكم يلقون الحجارة.. ستأتيكم الأموال”. بمعنى آخر، “النشاطات هنا لإخماد الغضب في مواجهة الاحتلال”.

 وقد بدأت بعض المراكز الجماهيرية بتلقي ميزانيات وبرامج جديدة تستهدف الفتية بشكل خاص تصل إلى مليون شيكل ونصف للعام 2015. وتشمل هذه البرامج بناء فرق طوارىء وفرق رياضية، وتنظيم أيام عمل تطوعية  وغيرها في محاولة لتأطير أي نشاط مجتمعي تطوعي وربطه بالبلدية وبميزانياتها فحسب. ولا ينفي أحد المصادر المحلية المقربة من هذه الدوائر احتمالية مستقبلية لتنظيم نشاطات ذات طابع تطبيعي يلتقي فيها طلاب فلسطينيون بآخرين إسرائيليين. يؤكد نفس المصدر المحليّ، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أنه في بعض المراكز الجماهيرية تم استحداث وظائف جديدة لتنفيذ هذه البرامج في “محاولة تحسين صورة البلدية أمام الناس” على حدّ تعبيره.

ولا ينفي مدير أحد المراكز الجماهيرية في شرقي القدس أنه تلقى اتصالات متكررة من شرطة الاحتلال فور استشهاد الطفل محمد أبو خضير للطلب منه “أن يساعدهم في تهدئة الشارع”، ولكنه يقول أنه لم يلتفت إليها. وبالتوازي مع ذلك، ووفق مصدر محلي، علمنا أن قسم الإرشاد الجماهيري في بلدية الاحتلال توّجه إلى العمال الجماهيريين الفلسطينيين في هذه المراكز مع بداية المواجهات في تموز الماضي للضغط عليهم باتجاه ما يسمونه “تهدئة الناس والتخفيف من غضبهم”.

 وقد أعلنت بلدية الاحتلال عن تخصيصها مليون شيكل في ميزانية العام 2015 للدفع بإنشاء مركز جماهيري في سلوان، وهي المنطقة الأكثر اشتعالا في القدس والتي رفضت بدافع المبادىء الوطنية على مدار سنوات عديدة وجود المركز، والتي لطالما أضرب أهلها وأغلقت محلاتها التجارية عند أي زيارة يقوم بها بركات للحيّ. كما أن بلدية الاحتلال تحاول تطوير علاقتها مع هذه المراكز الجماهيرية ومدرائها لتكون علاقة تكامل مثالية، وذلك عن طريق توسيع صلاحياتها.

التقنيات لا تنتهي

إضافة إلى كل ما ذكر أعلاه، لا يمكن إغفال الدور الذي تقوم به المراكز البحثية الإسرائيلية، فهي ذراع متكامل مع بقية مؤسسات الاحتلال من شرطة وبلدية وغيرها.

ويذكر في هذا الإطار، الدور الذي يقوم به معهد القدس للدراسات الإسرائيلية، إذ يعمل على تنفيذ بحوث حول كلّ أحياء شرقي القدس، أشبه بعمليات المسح الاستعماري التي تسبق عملية الانقضاض على أرض ما واستعمارها. يتذرع المعهد بمسألة تقديم خدمات أفضل كمبرر لإجراء هكذا بحوث، فيقول أنه معنيُّ بـ”كشف الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في هذه الأحياء من أجل رسم صورة واضحة للوضع القائم فيها فيما يخص الخدمات…”، مضيفاً أن هناك “فراغ معرفي ونقص هائل في المعلومات عن الأحياء الفلسطينية.

 وبالإطلاع على أول بحثين أنجزهما المعهد، عن قريتي صور باهر وبيت حنينا، نجد أن من بين المعلومات المطروحة فيه أسماء لمن سميوا “شخصيات بارزة” في الحيّ (فيما يبدو محاولة للإشارة إليهم لبناء علاقات مستقبلية ربما)، بالإضافة إلى تعداد للمؤسسات البارزة في كلّ حي وتلميح إلى موقفها من بلدية الاحتلال أو علاقاتها بالفصائل الفلسطينية. أما بالنسبة لموضوع الخدمات ومحاولة تحسينها، فلا يعقل أن بلدية الاحتلال المسؤول الأساسي عن توفير هذه الخدمات لا تعلم ما الذي ينقص في أحياء شرقي القدس، خاصّة وأن عشرات الالتماسات القانونية تقدم ضدها في هذا المجال. إن الهدف الحقيقي – باعتقادي – لهذه الأبحاث هو توفير المعرفة اللازمة لسلطات الاحتلال من أجل تسهيل مهمتها في بناء سياسات تدخل استعمارية فاعلة في القدس المحتلة ومعرفة الأبواب التي يجدر بها الدخول منها إلى المجتمع المقدسي.

الهويات الفرعيّة

تحاول سلطات الاحتلال التركيز على الهويات الفرعيّة للفلسطينيين في القدس وإبرازها. في ديسمبر الماضي، أعلنت بلدية الاحتلال عن توزيع مجانيّ لأشجار السرو بمناسبة عيد الميلاد، كما أعلنت عن نية نير بركات زيارة 10 كنائس على الأقل من أجل التهنئة بالعيد، فيما قالت انه “تعميق للعلاقات مع المجتمع المسيحي”.  ولا ينفصل عن هذه الجهود تهنئات الأعياد التي يصدرها مكتب بركات وينشرها في جريدة القدس سواء في أعياد المسلمين أو المسيحيين، والإعلان عن تسهيلات لضمان “حرية العبادة”.

يلخص هذا غالب ما يقع ضمن سياسة “الجزرة” التي تنتهجها سلطات الاحتلال وعلى رأسها البلدية لردع المقدسيين وتشويه هويتهم الوطنية، أو هي سياسة “التعامل بشكل جيد مع من هم جيدون” وفق تعبير بركات نفسه. ليس من الحكمة الانبهار الشديد بهذه الخطط والدخول في حالة من الاحباط خوفاً من نجاحها، ولكن ليس من الحكمة كذلك الاكتفاء بالتحذير من ذلك دون صناعة مشاريع وخطط مواجِهة، مع التذكير أن انفجار الأوضاع في أي وقت سيساهم بشكل كبير في نسف هذه الخطط الإسرائيلية. وحتى ذلك الحين، يكرر المقدسيون ذات الوصف ..أنهم “وحيدون في الميدان بلا قيادة حقيقية”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s