“أطباء بلا حدود” .. العمل النّفسي باب للتطبيع

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

ليست دولة الاحتلال الإسرائيلي بمختلف أذرعها وحدها التي تستبيح الجغرافيا الفلسطينية وتهندس المجتمع الفلسطينيّ وفقاً لمصالحها، فعلى أراضي الضّفة الغربيّة بالذات تسرح وتمرح بلا رقيب الكثير من المنظمات الدوليّة تشارك الاحتلال ذات الغاية، ولكن تحت شعارات التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

تقوم هذه المنظمات الدوليّة من خلال مشاريعها بمحاربة أي ملامح مجتمعيّة لمقاومة الاحتلال، تفكك المجتمع الفلسطيني وتعيد بناءه بما يتوافق مع سياسة “تجفيف منابع الإرهاب” ونشر قيم “السّلام والتعايش”. تهدر هذه المنظمات ملايين الدولارات على مشاريع تُفرض على الشّعب الفلسطيني لا تلاءم رؤيته التّحررية ولا تلبي احتياجاته الأساسية ولا تراعي خصوصيته، عدا عن وضعها شروطاً سياسية للتمويل، وعلى رأسها الوكالة الأمريكية للتنمية الدوليّة USAID التي تشترط على الجمعيات التي تموّلها التوقيع على “وثيقة نبذ الإرهاب”.

ولا تقتصر برامج هذه المنظمات على مشاريع تحسين البنى التّحتية، أو برامج الديموقراطية وتشجيع “الحكم الرشيد”، بل تخترق أخص خصوصيات الفلسطيني، بناه الاجتماعيّة والنفسيّة، ومنها “برامج الصّحة النفسيّة”، التي تستهدف بشكل أساسي العائلات المتضررة من اعتداءات الاحتلال، أي عائلات الشهداء والأسرى، بالإضافة إلى الأسرى المحررين، الخلية المجتمعيّة الأكثر حساسية في المجتمع الفلسطيني.

من بين المنظمات الدوليّة التي تقدّم خدمات العلاج الطبيّ والصّحة النفسيّة المنظمة الشّهيرة “أطباء بلا حدود” (MSF) ، والتي تعمل بفرعها الفرنسيّ في كلّ من غزة ونابلس، وبفرعها الإسباني في القدس والخليل. في هذا التقرير، تكشف “العربي الجديد” حسب مصادر خاصّة بها عن اجراءات تتبعها المنظمة – بفرعها الإسبانيّ- في محاولة لفرض أجندة تطبيعية على موظفيها الفلسطينيين، وسط تسويق هذه الاجراءات على أنها نابعة من مبادىء “الحيادية” و”الأخلاقيات الطبيّة” التي تلتزم بها المنظمة الإنسانية.

 مشرفة إسرائيلية على عمل المرشدين الفلسطينيين

تتواجد “أطباء بلا حدود” في فلسطين منذ العام 1989، وتقدم خدماتها النفسيّة في كلّ من الخليل وغزة ونابلس وقلقيلية والقدس. وبحسب معلومات المنظمة بفرعها الإسباني فقد قدّمت في العام 2014 خدماتها في الصّحة النفسيّة لأكثر من 5500 فلسطيني. ويتألف طاقم المنظمة من أجانب وفلسطينيين، يستأثر الأجانب بغالب المناصب الإدارية المهمة فيها، بينما يقدّم الإرشاد النفسيّ والاجتماعيّ فيها بالغالب مرشدون فلسطينيون. إلا أن من يقوم بمهمة الإشراف المهنيّ على هؤلاء المرشدين الفلسطينيين هي أخصائية نفسية إسرائيلية تعمل مع منظمة “أطباء بلا حدود” منذ ما يقارب 15 عاماً.

وتتضمن مهمة الإشراف المهنيّ، كما هو الحال في أي مؤسسة تمارس الإرشاد النفسيّ والاجتماعي، المتابعة المهنيّة لعمل المرشدين مع المسترشدين وتطورات العلاج الذي يقدمونه لهم، كما يدعو المشرف المرشدين عادة إلى جلسات جماعية لتبادل تجاربهم في تقديم الإرشاد ومناقشتها.

ويتيح الإشراف الفرصة للمرشدين ليفرّغوا الضغوطات والمشاعر التي تتراكم في نفسياتهم نتيجة انكشافهم لكميات من الألم النفسيّ لدى المسترشدين. وتمارس المشرفة الإسرائيلية ما سبق من مهمات ضمن وظيفتها في “أطباء بلا حدود”، على الرغم من الحساسية التي تغلّف ذلك، ورفض عدد من المرشدين الفلسطينيين في المنظمة إشرافها عليهم، معتبرين ذلك وجهاً من وجوه التطبيع.

رفض سياسي ومهني

وبحسب مصدر خاصّ للعربي الجديد، فإن هؤلاء المرشدين يحملون لرفضهم الإشراف الإسرائيلي أسباباً مهنيّة وسياسية. أما فيما يخصّ الأسباب المهنيّة، فتتلخص في أن الإشراف المهنيّ في علم النّفس مبني على القبول والثقة، “فكيف يمكن لمرشد أن يشعر بالأمان والثقة أمام مشرفة تنتمي لنفس مجتمع الاحتلال الذي سبب له وللمسترشد الألم النفسيّ، وكيف يمكنه حينها مشاركتها مشاعره وأفكاره؟”، خاصّة إذا كانت فئة المسترشدين الرئيسية هم عائلات الشهداء والجرحى والأسرى، أي ضحايا عنف الاحتلال.

ويذكر ذات المصدر أن هؤلاء المرشدين لم يكونوا على علم بوجود المشرفة الإسرائيلية عند توظيفهم في المنظمة، ولكن بعد علمهم بذلك، كانوا يتحفظون على المشاركة في جلسات الإشراف أو مشاركة أي تفاصيل معها حول المسترشدين الذين يقدمون لهم العلاج. ويشير إلى ما يسميها آلية “تحجيم الصراعات” الذي تطبقه المشرفة في جلساتها الإشرافية، فيشرح: “عند الحديث عن جندي إسرائيلي يعتدي على طفل، فإنها سرعان ما تذكر المرشد الفلسطيني أن هناك إسرائيلي غيره “يساعد” الفلسطينيين”، وهذا يحمل دلالات سياسية برأيه.

إلا أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير والتي تفسر الأسباب السياسية لرفض المشرفة الإسرائيلية، فكانت عندما قالت في إحدى جلسات الإشراف بالحرف الواحد: “أنا هنا لأنني إسرائيلية”. يعتبر المرشدون ذلك اعترافاً مباشراً بأن اختيار شخصية إسرائيلية لتقوم بدور الإشراف هو اختيار سياسي يخدم أجندة تطبيع العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال طَرقِ باب حساس هو الإرشاد النفسيّ.

بعد ذلك التصريح، أخذ هؤلاء المرشدون موقفاً أكثر جدية من وجود مشرفة إسرائيلية على عملهم، فقرروا مقاطعة جلسات الإشراف، وأخبروا إدارة المنظمة والمشرفة نفسها بذلك، وشرحوا لهم الأسباب التفصيلية لهذا الموقف. إلا أن المنظمة قامت بتهديد مرشدين اثنين على الأقل بسبب هذه المقاطعة، وقيل لهم من قبل إدارة المنظمة أنهم سيتحملون “تبعات شخصية ومهنية” نتيجة لموقفهم هذا.

 تدريبات يمررها إسرائيليون

ليس الإشراف المهنيّ وحده يطاله التطبيع في المنظمة، فقد أعلنت المنظمة لموظفيها عن تدريبات مهنية لعام 2015، منها 6 تدريبات حول “العلاج الأسري” يقدمها أخصائي نفسي إسرائيلي متخصص في بحث “العقبات النفسية أمام تحسين العلاقة بين الضحية والمجرم”. وفي توّجه للعربي الجديد لإدارة البعثة الإسبانية لمنظمة أطباء بلا حدود، قالت أنها توّظف موظفيها ومشرفيها بناء على معيار وحيد وهو التزامهم بالأخلاقيات الطبية، وتوفيرهم لمستوى عالٍ من الرعاية، مع الأخذ بعين الاعتبار “ما هو أكثر قبولاً بالنسبة للسكان الذين يقدمون الخدمة لهم”.

ولم توضح المنظمة هنا كيف تحدد ما هو المقبول وغير المقبول في المجتمع الفلسطيني، وتجاهلت أن وجود إسرائيليين غير مقبول أساساً لعدد من موظفيها الفلسطينيين، بل أنه حتى غير مقبول لكثير من المنتفعين إن علموا بذلك، إلا أنها حاولت أخذ شرعية اجراءتها عبر القول أنها على علاقة شفافة وواضحة مع الوزارات الفلسطينية والمؤسسات التي تتعاون معها، وأن هذه الأخيرة تعرف عن طريقة “أطباء بلا حدود” في العمل.

وبحسب مصادر خاصّة بالعربي الجديد، فإن إدارة المنظمة كانت تتخبط في تقديم التبريرات لموظفيها فيما يخصّ هؤلاء المدربين والمشرفين الإسرائيليين، فتارة تقول أنها كمنظمة إنسانية “يجب أن تلتزم بالحيادية، وأنها لا تستطيع رفض مدرب إسرائيلي بناء على كونه إسرائيلياً”. في مرات أخرى، كانت تقول المنظمة بأن اختيارها لهؤلاء الإسرائيليين نابع بالأساس من الفجوة والنقص الكبير لدى المدربين الفلسطينيين.

وفي حين تؤكد المنظمة بأن حضور هذه التدريبات من قبل المرشدين الفلسطينيين اختياريّ، إلا أن المصادر التي توصلت لها “العربي الجديد” تؤكد أن التدريبات في بدايتها كانت إجبارية لجميع المرشدين بمختلف تخصصاتهم، وبعد رفض عدد من المرشدين المشاركة فيها، جعلت إدارة المنظمة حضورها إجبارياً فقط للمرشدين النفسيين. وتضيف ذات المصادر بأن التنقل بين فرض التدريب وبين جعله اختيارياً ليس إلا تكتيكاً تمارسه المنظمة، حتى تفلت من الضغوط التي تمارسها جهات عديدة عليها.

وقد تأزمت العلاقة بين المنظمة وأحد مرشديها الفلسطينيين نتيجة إصرارها على توظيف إسرائيليين في مواقع التدريب والإشراف، مما دفعه إلى تقديم استقالته مطلع مارس الماضي. وفي مقابلات التوظيف لملأ الشاغر الذي تركه المرشد المستقيل، كانت المنظمة تسأل المتقدمين عن استعدادهم لمعالجة حالات إسرائيلية، أو تلقي تدريبات على يد إسرائيليين. ويذكر أن أحد الأطباء النفسيين الفلسطينيين العاملين مع “أطباء بلا حدود” قد سبق وفصل من عمله فيها بطريقة تعسفية في العام 2009 لأسباب شبيهة ولاعتراضه على قضايا فساد فيها.

 النقابة جاهزة للتصعيد

 الدكتور عبد الله النّجار أمين سر نقابة الأخصائيين النفسيّين والاجتماعيين في الخليل قال في تصريح للعربي الجديد أن وفداً من النقابة التقى بممثلين عن منظمة “أطباء بلا حدود” ونقل لهم موقف النقابة الواضح ضدّ التطبيع واللقاءات مع إسرائيليين تحت مسميات تقديم العلاج النفسيّ. ويشير النّجار إلى استعداد النقابة لاتخاذ مواقف حازمة وتصعيدية في حال أصرت منظمة “أطباء بلا حدود” على موقفها.

ويقول النجار: “هذه الأفكار لا تتناسب مع توجهاتنا الوطنية والاجتماعية والمهنية، ونحن لا نقبل حتى أن يكون التدريب مع مدربين إسرائيليين اختيارياً، لا فرق عندنا بين الاختياري والاجباري، فهذا يعني ضمناً ان هناك سياسة تصنيف على أساس الموقف الوطني”. ويلفت النّجار النظر إلى أن قطاع الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيّين يشكل القطاع الثاني في الضفة وغزة من حيث العاملين فيه بعد قطاع التعليم، مؤكداً أنه “يجب عدم السماح لبرامج التمويل الأجنبي ولأجندة التطبيع اختراق هذا القطاع الهامّ”.

وفي حديث مع عضو في النقابة عن محافظة الخليل، فضل عدم الكشف عن اسمه، قال بأن التوجه لدى منظمة “أطباء بلا حدود” ليس له علاقة بالاحتياج المهني، لافتاً إلى وجود عدد كافٍ من الكفاءات الفلسطينية المدربة والتي تستطيع ملأ شواغر الإشراف المهني، إلا أن المنظمة وبحسب تقديره “تقوم بتوظيف إسرائيليين في هذا الشاغر ضمن أجندة سياسية تريد تبيض وجه الاحتلال وتطبيع العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.

ولدى سؤاله عن رأيه بمبدأ “الحيادية وعدم التحيز” الذي تعلن عنه المنظمة، رفض ذات المصدر إنزال مفهوم “الحيادية” على السياق الفلسطيني، قائلاً بأن مبدأ كهذا يصلح في مجتمع فيه صراع طائفي أو سياسي داخلي، بينما لا يدور الحديث عن ذلك في حالة فلسطين. ويتفق العضو في النقابة مع أمين سرّها في استعداد النقابة للتصدي لأي أجندة تطبيعية تحاول المنظمات الدولية فرضّها على المرشدين النفسيّين فيقول: “أتحدى أن تجدوا أي نقابي يجرؤ على اعطاء شرعية لهكذا أمر خطير”.

 حساسية الإرشاد النفسيّ في مجتمع تحت الاحتلال

وفي هذا السّياق يطرح السؤال، ما الذي يغري في مجال “الإرشاد النفسيّ” ليجعله هدفاً يمرر من خلاله التطبيع؟ تجيب على ذلك السيدة لينا ميعاري، وهي أستاذة في دائرة العلوم الاجتماعيّة والسّلوكيّة في جامعة بيرزيت بالقول بأن الإرشاد أو العلاج النفسيّ ليس مجرد “تقديم إرشاداتٍ لشخص ما”، بل ينطوي أيضاً على “عملية تشكيل للبنية النفسيّة للمتلقي وإعادة انتاجها وفق رؤية معينة”. وتشدد ميعاري على أن الطرق العلاجية خاصة المستقاة من طرح غربيّ “تعمل على نزع السّياسي من الاجتماعي ومن النفسيّ، والتعامل مع السّياق الفلسطيني وكأنه سياق حيادي يحتاج إلى خبراء ومهنيين، وبالتالي قبول الواقع الاستعماري”.

ولذلك، تضيف ميعاري، “نرى أن الكثير من برامج الصّحة النفسيّة التي تنفذ في الضّفة، ترى في العنف الثوري خللاً تجب معالجته، بهدف تحويل ممارسه إلى “إنسان متسامح بعيد عن مشاعر الحقد والأخذ بالثأر”. وترى ميعاري أن الأمر لا يتعلق فقط بمحاولات المنظمات الدولية أو التمويلية فرض شروطها بتوظيف مشرفين ومدربين إسرائيليين، إنما تنبه كذلك إلى ضرورة أن يحمل الفلسطينيون العاملون في مجال الإرشاد النفسيّ رؤى علاجية واعية للسياق الاستعماري الذي يعيشونه.

وتضرب معياري مثالاً لذلك بالقول أن بعض المؤسسات تنظر إلى الأسرى الفلسطينيين بعد تحررهم كمجرد “ضحايا” يحتاجون إلى العلاج النفسيّ. وذلك في مقابل رؤيا ترى أن الأسير “بطل ومتمرد ومتحدي، وأنه ليس بالضرورة أن تجربة التحقيق والتعذيب والاعتقال قد دمرّت نفسيته، بل ربما على العكس عززت من قوته على الصمود”. إضافة إلى ذلك، فإن التعامل مع الإرشاد النفسيّ من منظور السّياق المحلي يكشفنا على وسائل متنوعة لتقديم الدعم النفسيّ. تشرح ميعاري ذلك بالقول: “في كثير من الأحيان لا يحتاج الأسير سوى بعض التقدير والدعم المجتمعي لمواصلة حياته، دون أدنى حاجة لجلسات إرشادية وعلاجية نفسية، وهذا ما تحاول مشاريع التمويل الأجنبي تحجيمه”.

من جهته، اعتبر المدير العام للرعاية الصحية الأولية بوزارة الصحة الفلسطينية، أسعد الرملاوي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “من الصعب مراقبة عمل المنظمات الدولية، وهي ليست تابعة لوزارة الصحة إنما تتبع لسفاراتها ودولها”. وحين سؤاله عن تجنيد منظمة “أطباء بلا حدود” لمشرفين ومدربين إسرائيليين، قارن بين ذلك وبين “ذهاب الأطباء الفلسطينيين إلى مستشفيات إسرائيلية لتلقي التدريب المهني اللازم”، وأضاف: “لكن ممنوع دخول الإسرائيليين إلى الضفة الغربية”.

نشر في العربي الجديد

——

يمكن الاطلاع على خبر على وكالة معاً يتحدث عن رفض المؤسسات الفلسطينية سياسة أطباء بلا حدود في توظيف مرشدين إسرائيلين

Advertisements

فكرة واحدة على ”“أطباء بلا حدود” .. العمل النّفسي باب للتطبيع

  1. ماذا حصل في نهاية المطاف؟ اوقفت اطباء بلا حدود التطبيع نتيجة ضغوطات النقابات والفضائح الاعلامية ولكنها انتقمت من الموظفين باغلاق مشروع خدمات شرقي القدس بأكمله على الرغم من الحاجة الماسة لها
    بمعنى اخر وبالانجليزي الفصيح:
    NO SERVICES; NO NORMALIZATION

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s