عائلة صغيرة في وجه نفوذ الجمعيات الاستيطانية

لا ينطبق المثل العربيّ الشّهير الموصي بحسن اختيار “الجار قبل الدار” على كثير من قصص الفلسطينيين الصامدين على أراضيهم وفي بيوتهم رغم مخططات طردهم، ففي حالتهم مهما كان “الجار” سيئاً لا بدّ من التشبث بالأرض والدار حتى يرحل. من بين هؤلاء، الفلسطيني محمد محيسن (39 عاماً) الذي يعيش وعائلته في شقة متواضعة في الحارة الوسطى، إحدى حارات سلوان المكتظة، بينما تعيش في الشّقق الخمس التي تعلو شقته عائلات مستوطنين إسرائيليين.

ففي الثلاثين من سبتمبر الماضي أفاق محيسن على صوت صراخ وضجيج في حارته، ليجد الشّقق الخمس التي تقع في نفس المبنى الذي يقطن فيه قد تسربت ليد الجمعية الاستيطانية “إلعاد” ترافقها قوات الاحتلال الإسرائيلي. في ذلك الفجر الذي يصفه محيسن بأنه “لا ينسى”، سيطرت “إلعاد” على 8 مبانٍ سكنية في سلوان، فيها 26 شقة سكنية، في فصل جديد من فصول التهويد والسيطرة وطرد العرب من مدينتهم.

بداية القصة

بعد أن كان محيسن مستأجراً للشقة التي يصمد فيها اليوم، قام بشرائها في العام 2013 من أصحاب المبنى الأصليين، عائلة القواسمي، ومن ثم سارع إلى تثبيت ملكيته لها في جميع الأوراق الرسمية. في العام 2014، باعت عائلة القواسمي الشقق الخمس المتبقية في المبنى إلى شخص آخر هو ش.ق، وهو المتهم الرئيس في تسريب هذه الشقق إلى “العاد”.

“سارع ش.ق. القيام بعملية تصليح شاملة للشقق التي اشتراها، من دهان وتركيب حديد وما إلى ذلك، حتى كانت جاهزة لدخول المستوطنين عليها”، بحسب تعبير محيسن. وحاول ش.ق. مراراً وتكراراً اقناع محيسن ببيع شقته ليصبح كامل المبنى في يده، ولكن محيسن كان يرفض في كلّ مرة. يقول محيسن: “كان أحياناً يقول لي نريد تحويل المبنى إلى مدرسة، وأن الأموال التي يحملها جاءت من جمعيات خليجية، ولكن كان لدي شعور أن مصير العقار لن يكون محموداً، ولم أقتنع بما يقوله حول المدرسة”.

بعد سيطرة المستوطنين على الشّقق الخمس المجاورة لشقة محيسن، بدأت تفاصيل حياة محيسن وعائلته بالتبدل، وبدأوا وحدهم يواجهون نفوذ الجمعيات الاستيطانية. كان أول ما قام به محيسن أن أغلق باب شقته الأصلي والذي يفضي إلى المدخل المشترك لكلّ سكان العمارة، وذلك لتفادي الاحتكاك مع المستوطنين عند الخروج والدخول من البيت، وقام بفتح باب جديد في الجهة الخلفية من الشقة.

بعد أيام قليلة من ذلك الفجر المشؤوم، بدأ المستوطنون بسلسلة من التضييقات والاعتداءات على عائلة محيسن، منها سرقة عداد الكهرباء الخاصّ بشقته، وإلقاء النفايات من نوافذهم باتجاه شقته، وإزعاجه بالصّوت المرتفع في ساعات متأخرة من الليل. يقول محيسن للعربي الجديد: “قاموا بإحداث ثقوب في أرضية إحدى الشقق التي تقع مباشرة فوق شقتي، وعبر هذه الثقوب كانت تتسرب إلى مطبخي مياه الصرف الصحي، مما اضطرني إلى إجراء تصليحات واسعة في المطبخ لتفادي أي ضرر مستقبلي”.

أما أطفال محيسن، صلاح وسجى وتالا وجنى، فقالوا أنهم لم يعودوا يرتاحون للعب في ساحة بيتهم الصّغيرة خوفاً من تعرضهم لأذى المستوطنين، كما أنهم باتوا يحرصون على مرافقة بعضهم البعض في الطريق إلى المدرسة. أما أصدقاؤهم الذين اعتادوا زيارتهم للعب وللدراسة سوياً، فلم يعد أهاليهم يسمحون لهم بذلك تحسباً لأي اعتداء من قبل المستوطنين أو قوات الاحتلال.

وتشير زوجة محيسن إلى أن ابنتها جنى (3 أعوام) تصحو في مرات كثيرة منتصف الليل على أصوات الضجيج التي تصدر من شقق المستوطنين، وتصرّ على النوم في حضن والدتها. وتضيف أنها لم تعد قادرة على زيارة أهلها وأقاربها كما في السّابق، خوفاً من ترك البيت خالياً. يشاركها في ذلك زوجها محمد إذ يقول أنه قلّص ساعات عمله من 8 ساعات يومياً إلى 5 ساعات، بسبب قلقه على عائلته، وعدم رغبته في البعد طويلاً عن البيت، في ظل وجود المستوطنين.

يعتبر محيسن مجموع المضايقات التي يتعرض لها من قبل المستوطنين محاولةً للضغط عليه وعلى عائلته لحملهم على ترك بيتهم. وبرأيه، لا يكتفي هؤلاء المستوطنون بذلك، بل يكررون أمامه عدة مرات عروضاً بأموال طائلة مقابل التنازل عن بيته. يقول محيسن: “قال لي أحدهم ذات مرة: معك شيك مفتوح، فقط سلمنا كلّ ما لديك من أوراق ثبوتية في البيت واخرج منه..”. وفي إحدى المرات، عرضوا عليه أن يقوموا بتأمين بيت وعمل وسيارة خارج القدس ومرة أخرى خارج فلسطين مقابل تسليم البيت، كانت كلّها تواجه بالرفض المطلق من قبله.

هذا الوضع الذي تعيشه عائلة محيسن من ضغوطات ومضايقات من قبل المستوطنين، جعل العائلة حذرة في التعامل مع كلّ من يتواصل معها. إذ يذكر محيسن أن جاءه مجهولون عرضوا عليه شراء البيت لضمّه إلى جامع قريب وتحويله إلى دار لتعليم القرآن، مدّعين أنهم من مكتب الأوقاف الإسلامية، فيما كان واضحاً له أنهم مرسلون من طرف الجمعيات الاستيطانية في محاولة للتحايل عليه.

يختم محيسن قصته التي رواها للعربي الجديد بالقول: “أنا إنسان لا أبيع ضميري وديني.. وأنا مرابط في هذا البيت، وأتمنى لو تكون هناك زيارات فلسطينية مستمرة للحارة وللبيت لإثبات الوجود العربي فيها وتعزيزه”.

نشرت في العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s