بيت صفافا.. الدّم الذي فرطت به اتفاقية الهدنة

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

مع بداية شهر نيسان من العام 1948 كان الصفافيون، أهالي قرية بيت صفافا جنوبي القدس، قد أخلوا القرية من النساء والأطفال والشيوخ وأرسلوهم إلى أماكن أكثر أمناً كبيت لحم وبيت جالا والخليل، فيما بقي العشرات من الشّبان يدافعون عن القرية في وجه الهجمات الصهيونية بما توفر من السّلاح القديم، برفقة قوات مصرية وسودانية.

كان من بين هؤلاء المدافعين، ابن بيت صفافا أبو عبد الله، ابراهيم عبد الفتاح عليان، المولود في العام 1927. أنهى ابراهيم الصف الخامس في المدرسة الابتدائية في بيت صفافا بتفوق، ولكن لم يستطع اكمال تعليمه في مدارس مدينة القدس لضيق الحال. “قال لي أحد أصدقاء أبي حينها: من تظن نفسك، ابن عائلة الحسيني أو النشاشيبي لتلتحق بمدارس المدينة؟”، يقول ابراهيم، في إشارة إلى الفروقات بين أوضاع الفلاحين وأهالي المدن في ذلك الحين. بدلاً من الدراسة، اتجه ابراهيم للعمل في مطبخ إحدى معسكرات الجيش البريطاني جنوبي فلسطين إلى أن بدأت معارك عام 1948 بالاشتعال.

تمركز في قرية بيت صفافا، بحسب ما يذكر أبو عبد الله (88 عاماً)، ما يقارب من 30 شاباً من بيت صفافا، بالإضافة إلى قوات سودانية ومصرية يدافعون عنها يقدرهم بما يقارب الأربعين مقاتلاً، في وجه الهجمات الصهيونية من جهة مستوطنتي مكور حاييم ورمات راحيل، ومن جهة القطمون والمالحة اللتين سقطتا في يد العصابات الصّهيونية.

يذكر عبد الله التل في كتابة “كارثة فلسطين”، أن عدم سقوط بيت صفافا في العام 1948، على الرغم من سقوط كثير من المناطق حولها، يعود إلى “ثبات تلك القرية وأهلها الذين وقفوا أمام اليهود ولم ينزحوا من قريتهم المحبوبة”، مشيراً إلى أنها كانت “نتوءا عربياً بين المناطق اليهودية”.

دور مميّز لمقاتلي السّودان

يستذكر أبو عبد الله دور المقاتلين السودانيين بشكل خاصّ في تحصين قرية بيت صفافا وبناء الاستحكامات والخنادق حولها لصدّ الهجمات الصهيونية عليها، فيقول: “السودانيين اجونا من الله، كان عندهم إيمان غير طبيعي، لا يخافون شيئاً، كانوا يضعون أنفسهم في الصّفوف الأولى للقتال، ويحاولون تشجيعنا، يقولون: “كيف تريد أن تحسب شهيداً وأنت خائف أو متردد، يجب أن تذهب للقتال لا يهمك شيء حتى تنال الشهادة عن جدارة وصدق”.

يقطع حديثه خليل صالح عليان، ليخبرنا ما سمعه من أبيه ورفاقه عن قوة السودانيين، فيما يشبه نسج الأساطير: “كان السودانيون يقولون لشباب القرية اقرأوا آية الكرسي والرصاص لن يصيبكم، إحنا الرصاص يجي فينا وما يقتلنا”. ولدى سؤال الشيخ موسى خليل عثمان، الذي كان يبلغ من العمر16 عاماً في العام 1948 عاماً، عن السودانيين كرر نفس الوصف مضيفاً: “كانوا مقاتلين أشداء يقاتلون عن عقيدة، يقاتلون بقلب ورب”.

ولقد كان هذا الإيمان العميق الذي يحمله السودانيون بضرورة الدفاع عن فلسطين يستلزم منهم في كثير من الأحيان صرامة لم يعتادها أهالي بيت صفافا. يخبرنا الشيخ موسى بإحدى قصص هذه الصرامة فيقول: “رآني أحد المقاتلين السّودانيين وقد ذهبت برفقة بقرة العائلة لترعى في الواد القريب من بيت صفافا، وقد كانت هناك مساحة من الأرض يعتقد اليهود أنها ملغومة، بينما يشير سيري فيها أنا والبقرة أنها ليست كذلك”.  يبتسم الشيخ موسى ويقول: “غصب مني السودانيون يومها، خافوا أن يكون أحد اليهود قد رآني فيكتشف أن الأرض ليست ملغومة، وأعطوني يومها “قتلة” “.

ولا يغيب عن ابراهيم وموسى التذكير بالضعف العربي ورداءة السّلاح الذي أضاع من العرب أغلب مساحة فلسطين في العام 1948. يقول ابراهيم، أبو عبد الله، متحسراً: “أذكر يوماً أغار السودانيون على مستوطنة ميكور حاييم وطردوا المستوطنين منها، إلا أن ما يحملون من سلاح وما يملكون من قوة لا يمكنهم من البقاء هناك، فرجعوا إلى بيت صفافا”.

تقسيم القرية بموجب اتفاقية الهدنة 1949

 قدّمت بيت صفافا الشهداء على أرضها وأراضي القطمون والقسطل، فحفظت أرضها من دخول العصابات الصهيونية، بينما بدأ الأهالي بالعودة إلى بيوتهم واستكمال حياتهم شيئاً فشيئاً. وقد خلدت نساء القرية ذلك الانجاز بالأهازيج فقلن: “بلدنا احتاطوها من كلّ الجهات اجوها، صدق لو دخلوها لنسفوا الدور مع الطوابين، اجونا بليل وهي عتمة وقمنا عضو النجمة، هجمنا عليهم هجمة وراحوا منا مكسورين”.

إلا أن “النصر” لم يكتمل، فبعد توقيع اتفاقية الهدنة “رودوس” في أبريل من العام 1949 ما بين الأردن ودولة الاحتلال،  سلّمت القوات الأردنية ما لم يخسره الصفافيون في الحرب، سلّمت لدولة الإحتلال أراضٍ من بيت صفافا تقع في الجهة الشمالية حيث تمر سكة الحديد العثمانية الواصلة بين القدس ويافا، والتي لم يكن الإسرائيليون مستعدين لخسارتها كوسيلة نقل هامّة في بداية تأسيس دولتهم. وقد شملت هذه الاتفاقية كذلك تسليم منطقة “المثلث” أي قرى وادي عارة، مقابل أن يحصل الأردنيون على أراضٍ جنوبي الخليل.

يخبرنا أبو عبد الله عن ذلك اليوم فيقول: “جاء ضابط أردني فأخبر أهالي القرية والسودانيين أن القرية ستقسم لتصبح المنطقة التي تمرّ بها سكة الحديد ومسافة 30 متر جنوبها تحت السيطرة الإسرائيلية”. يضيف أبو عبد الله: “جن جنون السودانيين، صاح أحدهم واسمه محمد علي: “تروح من هنا أحسنلك.. انتو ما تخافون الله.. احنا دمنا كله هنا.. تسلموه لليهود كدة!”.

لم يملك أهالي بيت صفافا، أو المقاتلون السودانيون من أمرهم شيئاً، وفي محاولة لفرض الاتفاقية وتهجير أهالي القرية بدأت المدفعية الإسرائيلية بإطلاق قنابلها باتجاه القرية بشكل عشوائي. وببينما اضطر السودانيون للرحيل في نهاية الأمر، وجد الصفافيون أنفسهم في قرية مجزأة بشريط حدودي ودوريات مراقبة، يعيش ما يقارب الألف منهم في القسم الشرقي الجنوبي من القرية تحت السيطرة الأردنية، بينما يعيش ما يقارب 450 منهم في الجزء الشمالي الذي سُلم لدولة الاحتلال، والذي عرِفه أهالي القرية باسم “منطقة الزون” وفقاً للكلمة الانجليزية zone.

أهالي بيت صفافا يجتمعون على طرفي السّلك الحدودي في أحد الأعراس في القرية

أهالي بيت صفافا يجتمعون على طرفي السّلك الحدودي في أحد الأعراس في القرية

قصة الشيخ موسى عثمان

وقع بيت الشيخ موسى عثمان في منطقة “الزون”، أي تحت الاحتلال الإسرائيلي. بعد تقسيم القرية بأيام عاد موسى، الذي كان حينها يبلغ من العمر 16 عاماً، إلى البيت ليجد أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد طردت أمّه وأبيه وأخاه إلى القسم الآخر من بيت صفافا، الواقع تحت السيطرة الأردنية، فيما بقي هو وأخته البالغة من العمر 10 سنوات في بيتهم. يقول الشيخ موسى: “كان يخشى من بروز والدي كقائد في منطقة “الزون”، وخاصة أنه كان يملك الكثير من الأراضي، عدا عن رفض أخي المتكرر التعاون مع جيش الاحتلال”.

بصعوبة يقبل الشيخ موسى الحديث عن تلك الذكريات المؤلمة، فقد تركته هذه الحادثة أمام مسؤولية العناية بنفسه وبأخته وببيته في سنّ صغيرة، واقتطعته من رعاية والديه. ومنذ ذلك العام وحتى عام 2006 خاض الشيخ موسى معركة قانونية أمام “دائرة أراضي إسرائيل” التي ادعت بعد طرد والده في العام 1949 أن بيته أصبح الآن “أملاك غائبين”، وهو بالتالي من أملاك “الدولة”. يستخدم الشيخ موسى وصف “التحرر” ليصف تثبيت ملكيته على بيت والده فيقول: “في 2006 فقط تحرر البيت وانتزعت من المحكمة قراراً بملكيته وسجل على اسمي”.

وقد تركت هذه التجربة بصماتها على أهالي بيت صفافا، وبدا تأثيرها واضحاً في تفاصيل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية. فينما بقي أهالي بيت صفافا الأردنية على تواصل مع أشقائهم العرب، وتمكنوا من الالتحاق بالثانويات والجامعات العربية، لم يكن أمام أهالي “الزون” سوى المدارس اليهودية أو المدارس العربية البعيدة جداً في الناصرة مثلا، لاستكمال تعليمهم. وبينما توّجه عدد من شباب المنطقة الأردنية إلى الكويت، كغيرهم من الفلسطينيين، للعمل، لم يكن أمام أهالي “الزون” مصدر للزرق سوى العمل كعمال وموظفين في المستعمرات اليهودية القريبة. وقد كان أبناء العائلة الواحدة من قرية بيت صفافا يتلقون في المناسبات والأعياد عند الشريط الحدودي ليتبادلوا التهاني والأخبار، بينما لا يسمح لهم بذلك في الأيام العادية.

22

ومن المفارقة الساخرة أن تقسيم القرية وتفريق أهلها بعد نكبة عام 1948 قد انتهى بنكسة عام 1967، حيث استكملت دولة الاحتلال السيطرة على ما تبقى من أرض فلسطين، وما تبقى من أرض بيت صفافا. أزيل الشريط الحدودي من وسط القرية، وسُمي الشارع الذي كان يمر منه الشريط فيما بعد بـ”شارع توحيد القرية”. “ست الاخوة عليان”، إحدى سيدات بيت صفافا الشاهدات على النكبة والنكسة، تقول: “لم نكن ندري بم نشعر، من جهة التم شملنا مع أهلنا، ومن جهة أخرى لم يحصل لم الشمل هذا إلا بعد هزيمة ثانية، بينما كنا نتوقع نصراً يعيد ما فقدناه من أرض”.

*نشر في جريدة العربي الجديد بتاريخ 17 أيار 2015

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s