الشّهيد أبو خضير في ذكراه السّنوية الأولى

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

الدبكة في الأعراس، الدبكة في حفلات التخرج، توزيع التقويم الرمضاني، ورفع زينة رمضان على الأعمدة في حارته، هكذا بدا الشّهر الأخير من حياة الطفل الشهيد محمد أبو خضير (16 عاماً)،  ابن قرية شعفاط شمالي القدس المحتلة، والذي اختطفه ثلاثة مستوطنين في الثاني من تموز من العام الماضي وقاموا بحرقه وقتله.

كان محمد عضواً نشطاً في فرقة دبكة محليّة في قريته شعفاط باسم “فرقة سيدي حسن”، وهو الجدّ الأكبر لعائلة أبو خضير، وكانت تقدم عروضها في الدبكة في القرية وخارجها تطوعاً وحباً في فن الدبكة الشعبيّ. تقول سهى أبو خضير، والدة الشهيد محمد: “محمد دبك في أعراس كل الناس.. لم يمل يوماً من تلبية أي دعوة”. تتنهد سهى وهي تتحدث للعربي الجديد وتقول: “الله يسعده .. دبك في أعراس كلّ النّاس، وكلّ الناس كانت في عرسه”، تقصد جنازته التي شارك فيها الآلاف.

في الذكرى السّنوية الأولى لاستشهاد محمد تخبرنا والدته سهى ووالده حسين عن الألم الذي لم يبرح مكانه. في اليوم الأول من رمضان، الشّهر الذي استشهد فيه محمد، حضّرت سهى الطعام لأولادها وبناتها، لكن محمد لم يكن بينهم، لم تستطع سهى مشاركتهم طعام الإفطار وآثرت الانفراد باكية. حسين أبو خضير، والد محمد، يشاركها ذات الألم، يقول: “كان عاماً صعباً للغاية، في كلّ مرة نذهب فيها إلى جلسة المحكمة كان الألم يتجدد أكثر فأكثر، خاصّة عندما نرى مرتكبي الجريمة أمامنا، نخرج من المحكمة بحالة نفسية أسوأ”.

IMG_0385

حسين أبو خضير، والد الشّهيد محمد، يحمل صورته في منزله

أبواب الذكريات لا تنتهي، ففي حزيران من هذا العام صادف موعد تخرج محمد من المدرسة، وقد أطلقت المدرسة على فوجها لهذا العام اسم “فوج الشهيد محمد أبو خضير” كما فعلت مدارس عدة في فلسطين، وكان على رأس المدعوين إلى الحفل والدا محمد. لم تكن المشاركة بالأمر الهيّن. يقول حسين وهو يعرض لنا صور التخرج التي بدا فيها تأثره ودموعه هو وزوجته:  “كنا نبكي حرقة على غياب ابننا في مثل هذا اليوم”، تضيف سهى: “كان يدور في عقلي التفكير بأن كل الشباب أصحابه تخرجوا.. وابني لم يتخرج، والحمد لله”.

محمد أبو خضير .. 24 ساعة مزح!

وفي منتصف الحديث مع والدة محمد، بدأت تتحامل على مشاعر الحزن، وأخذت تسرد – لوحدها دون سؤال- صفات محمد وتحكي لنا عن تصرفاته وعاداته، تضحك قليلاً، ومن ثم تدعو “الله يرضى عليك يما” وفي عينها مسحة من حزن.

كان مما سردته أنه كان كثير الحركة وعالي الصوت، “كنت أعرف أن محمد وصل إلى البيت من صوته على عتبات الباب في الطابق الأول”. كان محمد يدبّ الحركة في البيت، يغنّي ويدبك، وفي كل مرة كان محمد يتعلم أمراً جديداً في فنّ الدبكة، يأتي إلى والدته ويريها ما لديه من جديد، فتعلو من البيت أصوات الدبكة والغناء.

أما عن علاقاته بمن حوله، فتقول سهى: “كان محمد اجتماعياً، مع الصغير صغير ومع الكبير كبير، يتصرف كالكبار إذا مرّ أحدهم من باب البيت ينادي عليه يدعوه للغداء.. وفي ذات الوقت روحه مرحة ويهوى اللعب”. تخبرنا والدته كيف كان يساعد شبان العائلة في توزيع دعوات الأعراس، وأنه كان يلف على بيوت عائلة أبو خضير ينصح النساء مازحاً بعدم تخبئة أموالهن ويطلب منهم التصدق لصالح صندوق العائلة.

وعندما توفى جده قبل عامين، كان يسعى أن يبقى ذكره حيّا، فكان يطلب من أمّه تحضير الحلويات والمعجنات ليوّزعها في المدرسة عن روح جدّه. أما جدته، فكان طبيبها العلاجي، “كان محمد يدلل جدته، في كل مرة يراها يلبي طلباتها ويدلك لها ظهرها ليخفف آلامها”. أما والدته، فلم يكن يحب أن يراها حزينة أو متعكرة المزاج. تقول سهى:” محمد كان يمزح 24 ساعة، إذا رآني في مزاج سيء، يبقى حولي ويصر ألا يتركني إلا عندما ابتسم”.

ذكريات الأصدقاء

عبد الحكيم أبو خضير وأحمد حمد بعض من أصدقاء محمد الكثيرين، يستذكرون تفاصيل اختطاف محمد. يقول أحمد: “كنا نسهر معاً بشكل يومي، وخاصة مع بداية شهر رمضان، في اليوم الذي خطف فيه لم يكن أحدٌ منا معه، أنا كنت نائماً وعبد الحكيم في منزله والآخرون كل مشغول في أمر”. يكرر الصديقان بعضاً من الصّفات المرحة التي تحدثت عنها والدته، ويقول أحمد: “فعلاً كان صوته دائماً مرتفعاً..”، يطأطأ رأسه قليلاً، ويقول: “لكنه يوم خطفه لم يسمع صوت صراخه أحد!”.

كان أحمد آخر من كلم الشهيد أبو خضير قبل اختطافه بواسطة تطبيق “فايبر”. يقول أحمد: “أيقظني والدي بعد انتشار الخبر وخرجت مسرعاً في محاولة للبحث عن محمد”. كانت آلية تحديد المكان المفعلة في تطبيق “فايبر” قد مكنت أحمد من الحصول على مكان تقريبي للشهيد أبو خضير الذي كان يحمل هاتفه النقال. يقول أحمد: “بحسب الهاتف الذكي ظهر لي بأن مكان هاتف محمد يقع بالقرب من قرية دير ياسين، وذهبت هناك أنا ومجموعة من الأصدقاء للبحث، ولكننا لم نعثر عليه، وفي طريق عودتنا رأينا في المنطقة سيارات الاسعاف، لم يخطر ببالنا أن الحديث يدور عن محمد، عرفنا أنه فعلا قتل في دير ياسين عند عودتنا إلى البيت”.

أما عبد الحكيم فيروي أن آخر مرة رأى فيها محمد كانت قبل استشهاده بيوم، رآه وهو يزين الحارة الغربية لشعفاط بمصابيح ملوّنة احتفالاً بشهر رمضان. يختم عبد الحكيم حديثه باخبارنا بأن محمد وقبل اختطافه بيوم كان كلما رأى إحدى نساء الحارة يحذرها ويقول لها “انتبهي لاولادك .. هناك محاولات خطف”، وذلك في إشارة إلى محاولة فاشلة لخطف الطفل موسى زلوم من قبل نفس العصابة التي اختطفت وقتلت أبو خضير.

محمد في عمر صغير مع جده وأطفال العائلة

محمد في عمر صغير مع جده وأطفال العائلة

القدس بعد أبو خضير

يقول عبد الحكيم صديق محمد: “بعد استشهاده بدأت المواجهات في شعفاط، أوقف أهالي القرية سير القطار الإسرائيلي الخفيف الذي يمرّ وسطها، وجاء الشبان من مختلف الأحياء سلوان، والعيسوية وبيت حنينا وغيرها للمشاركة في المواجهات”. من ذلك اليوم بدت معالم تطور واضحة في مستويات الوعي الشّعبيّ الفلسطينيّ المقاوم في القدس. فحالات إلقاء الحجارة على القطار الإسرائيلي وسط شعفاط ما زالت مستمرة حتى اليوم، كما طرأ ارتفاع ملحوظ في حدة المظاهرات الفلسطينية والمواجهات مع قوات الاحتلال داخل المدينة المقدسة، عدا عن تأثر الكثيرين بدعوات حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

يتفق والد محمد مع ذلك ويرى أن هناك تأثير ملموس على شباب مدينة القدس بعد استشهاد ابنه وبفعل اشتعال المواجهات في المدينة منذ ذلك الحين. يقول حسين أبو خضير: “لاحظت مثلاً أن شباب شعفاط أصبحوا أكثر وعياً، في نظرهم لا توجد امكانية للتعايش مع الإسرائيليين، أصبح كثيرون ينظرون إلى فكرة التسوق لدى الإسرائيليين على أنها فكرة مرفوضة.. هذه الحادثة أنقذت جيلاً كاملاً وأثرت فيه..”.

كما كانت حادثة استشهاد الطفل أبو خضير وتزامنها مع العدوان الأخير على غزة لحظة فارقة ومؤثرة في الوعي الوطني في القدس، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمختلف أذرعها تنبهت إلى هذا الوعي المتصاعد. وفي سبيل مواجهة ذلك وقمعه، بدأت سلطات الاحتلال هذا العام بضخ الأموال وتنفيذ مشاريع ترى أنها ستساهم في هزّ الانتماء الوطني الفلسطيني لدى فئة الشباب في القدس، وتزيد من ارتباط أهلها بمؤسسات الاحتلال وعلى رأسها البلدية. من بين تلك المشاريع، تكثيف برامج تربوية لطلاب المدارس في ساعات ما بعد الظهر لضمان عدم انضمامهم للمواجهات ضدّ شرطة الاحتلال، بالإضافة إلى محاولات بناء شبكة علاقات جديدة وموسعة مع من يسوقهم الاحتلال على أنهم “وجهاء” يمثلون مصالح أهالي القدس، وغيرها من الوسائل.

مواجهات عنيفة ضدّ شرطة الاحتلال شهتتها شعفاط والقدس بعد استشهاد أبو خضير. تصوير: محمد حروب

مواجهات عنيفة ضدّ شرطة الاحتلال شهتتها شعفاط والقدس بعد استشهاد أبو خضير. تصوير: محمد حروب

مجريات محاكمة القتلة

عندما سألنا حسين أبو خضير عن جلسات المحاكم الطويلة بدا امتعاضه واضحاً لقلة الاهتمام الشعبي والرسمي بمساندة العائلة في هذا الخصوص. يقول أبو خضير: “كل واحد من المستوطنين الثلاثة له 3 محاميين، أي أن هناك 9 محاميين إسرائيليين، في مقابل محامٍ فلسطيني واحد يرافقني وزوجتي في المحاكم”. يستدرك حسين قائلاً: “في مثل هكذا قضايا لا يكون لمحامي الضحية أي دور في المحكمة في ظلّ وجود المدعي العام، ولكن مع ذلك لا بد أن يكون هناك محامي يوفر دعما قانونياً للعائلة ويتابع تطورات القضية”.

ويشير أبو خضير أنه تلقى وعودات من قبل جهات رسمية فلسطينية بتخصيص محامٍ له في هذه القضية، إلا أن هذه الوعودات لم تنفذ على الرغم من مرور عام كامل على بدء اجراءات المحاكم، مما اضطره إلى تعيين محامي بنفسه وتحمل أي تكاليف قد تترتب على ذلك.

أما على الصعيد الشعبي، فقد دعت العائلة في أكثر من مرة إلى مظاهرات أمام المحكمة المركزية الإسرائيلية أثناء انعقاد جلسات المحكمة، ولكن الحضور لم يزد في أفضل الاحوال عن 15 مشاركاً، فيما غاب  حضور مؤسسات المجتمع المدني بشكل واضح. يقول حسين: “سألني أحد الصحفيين ذات مرة ما هي المؤسسات التي تساندك قانونياً في المحكمة، أجبت “أم الرائد” وأبو الرائد”، يقصد أن هو وزوجته لوحدهما من يواظبان على حضور المحاكم وحدهما بدون أي مساندة.

أما عن تطورات محاكمة المستوطنين المجرمين الثلاثة ( وهم بالغ وقاصرين اثنين)، فقد عُقِدت حتى تاريخ اليوم 17 جلسة للمحكمة، تمت فيها قراءة لائحة الاتهام التي أنكرها المستوطنون أمام هيئة القضاة، مما أدى إلى عقد جلسات مطولة لسماع افاداتهم وافادات مختلف الشّهود من أفراد شرطة الاحتلال وأفراد عائلة زلوم (الطفل الذي حاول المستوطنون اختطافه وفشلوا) والطبيب الشّرعي الذي شرّح جثمان محمد.

وقد تراجع المتهم الرئيس “يوسف حاييم بن دفيد” في جلسات المحاكم عن أقواله التي أدلى بها أمام محققي شرطة الاحتلال فور اعتقاله في تموز من العام الماضي، ورفض حتى الآن الادلاء بأي تصريح أمام هيئة القضاة في المحكمة. أما المستوطن الثاني الذي كان برفقته “يائير بن دافيد” فقد قال في المحكمة أنه كان “تحت ضغط وأوامر من عمه يوسف، ولم يكن باستطاعته رفضها هو والمستوطن الثالث”.

وفي الجلستين الأخيرتين اللتين عقدتا مطلع شهر حزيران الماضي، عرضت المحكمة تسجيلاً مصوراً للمستوطنين الثلاثة مجتمعين في محل النظارات الطبية الذي يملكه “يوسف بن دافيد”. ويبدو المستوطنون الثلاثة في التسجيل وهم يخططون لعملية الاختطاف ويتدربون على كيفية التصرف وضرب المخطوف والتعامل معه. كما عرضت المحكمة تسجيلاً مصوراً للمستوطنين الثلاثة يعترفون بجريمتهم ويروون تفاصيلها.

وبحسب تعليق المحامي مهند جبارة، الذي يتابع القضية برفقة عائلة أبو خضير، فإن جلسة المحكمة القادمة ستجري في 15 من شهر تموز الجاري، ومن المتوقع أن تقرر المحكمة الإدانة من عدمها. ويوضح المحامي جبارة بأنه في حال تمت إدانة المستوطنين الثلاثة بتهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، فإن عقوبة البالغ منهم حسب القانون الإسرائيلي هي السّجن المؤبد، أما فيما يتعلق بالقاصرين، فإن أقصى عقوبة ممكن إصدارها  عليهما هي السّجن المؤبد ويمكن للقضاة تخفيفها إلى ما دون ذلك بحكم عمرهما.

إلا أن المحامي جبارة يلفت النظر إلى أن هناك محاولات يجريها طاقم الدفاع من أجل تخفيف العقوبة، فعلى الرغم من أن طبيب نفسي إسرائيلي قد فحص المتهم الرئيس البالغ “يوسف بن دفيد” وأفاد بأنه “سليم عقلياً”، إلا أن طاقم الدفاع طالب بكشف نفسي آخر يجريه طبيب أجنبي مطلع الشّهر الحالي.

إضافة إلى ذلك، هناك محاولة من قبل القاصريْن بالتركيز على ادعاء أنهما كانا  “تحت سيطرة كاملة من طرف المتهم الرئيس البالغ”، وبالتالي قد يعطيهم هذا الأمر حصانة في إجراءات المحكمة، ويخفف الحكم عنهم. كما يحاول المتهمون الثلاثة الادعاء بأن الطفل أبو خضير توفي قبل أن يتم حرقه، وأن السبب الرئيس للوفاة هو ضربة قاضية وجهت له وهو في السّيارة، ولم يحرق حيّاً، وذلك بعكس تقرير الطبيب الشرعي الذي أثبت عكس ذلك، وذلك يصب بطبيعة الحال في تخفيف العقوبة.

في نهاية الأمر، يستبعد جبارة أن تصدر المحكمة حكماً بتبرئة المتهمين، لثبات الأدلة ووضوحها، ولكون دولة الاحتلال  “تسعى لتجميل وجهها أمام العالم واظهار أنها تقف مع العدالة، خاصة في قضية أثارت صدى عالمياً كقضية أبو خضير”، وفق تعبيره.

نشر في العربي الجديد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s