نواب القدس المبعدون .. هل من عودة قريبة؟

نواب القدس.. رواية الإبعاد ومعركة العودة 

القدس المحتلة – هنادي قواسمي – العربي الجديد

“يا فرحة ما تمت!”، ينطبق هذا المثل الشّعبي على قصة النواب الفلسطينيين عن مدينة القدس، والذين نجحوا في انتخابات العام 2006 ضمن “قائمة التغيير والإصلاح” التّابعة لحركة حماس. فمنذ نجاحهم السّاحق وتحملهم مسؤولية تمثيل القدس في المجلس التشريعي، بدأت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بسلسلة من الاجراءات والملاحقات بحقّهم، لم تنتهِ فصولها حتى اليوم.
كان أبرز تلك الاجراءات إصدار وزارة الداخليّة الإسرائيلية قراراً في مايو 2006 يقضي بسحب بطاقات الإقامة الإسرائيلية من كلّ من النّواب أحمد عطون (47 عاماً)، ومحمد طوطح ( 46 عاماً)، ومحمد أبو طير(65 عاماً)، والوزير السّابق لشؤون القدس خالد أبو عرفة (54 عاماً)، تحت حجة “عدم ولائهم لدولة إسرائيل”، مما يعني طردهم من مدينة القدس وعدم السّماح لهم بدخولها مجدداً.
واليوم، يعيش النّواب الثلاثة والوزير السّابق في مدينة رام الله، مبعدين عن المدينة التي كان من المفترض أن يحملوا قضاياها ويمثلوا أهلها، في ترقب مرهق للأعصاب في انتظار البتّ في قضية سحب إقاماتهم، وذلك بعد الالتماس الذي تجري جلساته القضائية في المحكمة العليا الإسرائيلية منذ العام 2006.

“العربي الجديد” التقت النواب الثلاثة والوزير السّابق، واستعرضت معهم بعض محطات وتبعات هذه الملاحقة الطويلة.

رواية الاعتقال والابعاد

يعتقد النائب أبو طير بأن “الاحتلال كان منزعجاً” من وجودهم ونشاطهم السياسي في القدس منذ اللحظة الأولى، ويستذكر أيام الحملة الانتخابية والتي كانت تلاحقهم أثناءها شرطة الاحتلال وتنصب الحواجز في طريقهم بين الأحياء المقدسية. ويقول النائب عطون بأنه عدّ 17 مرة من الاستدعاء للتحقيق لدى شرطة الاحتلال تلقاها هو وبعض زملاؤه النواب عن القدس في حملتهم الانتخابية. وأثناء إحدى تلك الاستدعاءات، قال أحد الضّباط الإسرائيليين للنائب أبو طير: “صحيتوا الخيل النايمة في القدس”، ويقصد بذلك أن نشاط أعضاء قائمة الإصلاح والتغيير أدى إلى تنشيط ورفد الحركة السياسية في مدينة القدس.

abutair

النائب محمد أبو طير، أثناء إحضاره للمحكمة في 12 تموز 2010. تم اعتقال أبو طير بعد ان انتهت المهلة التي اعطيت له من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي لإخلاء القدس. في تلك الأثناء سارع النواب الآخرون إلى الصليب الأحمر للاعتصام هناك

لم يكن إذن من المتوقع أن تترك سلطات الاحتلال لهذا النّشاط السياسي الفلسطيني الفرصة ليكتمل ويؤدي دوره في القدس. بعد 3 شهور من الانتخابات، أي في إبريل 2006، بدأت حكومة الاحتلال بالدفع نحو سحب إقامات النواب المقدسيين وإبعادهم عن القدس، وتذرعت حينها بالعملية الاستشهادية التي وقعت في تل أبيب مسفرة عن مصرع 9 إسرائيليين، والتي تبنتها حركة الجهاد الإسلامي.

وبناء على ذلك، وفي 29 مايو 2006، تلقى النواب والوزير السّابق قراراً من وزير الداخلية الإسرائيلي آنذاك “روني بار أون” يخيّرهم بين البقاء كأعضاء في المجلس التشريعي وبين سحب إقاماتهم، ويمهلهم 30 يوماً للردّ، وهو الأمر الذي قابلوه بالرفض المطلق. ما ان انتهت الأيام الثلاثين، حتى وجد الأربعة أنفسهم في سجون الاحتلال، وذلك في إطار الردّ الإسرائيلي على عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والتي تبعها اعتقال نواب ووزراء حركة حماس.

حكم على أبو طير بالسجن 4 سنوات، وعلى طوطح وعطون وأبوعرفة بالسّجن 3 سنوات ونصف، وبناء على وجودهم تحت الاعتقال، فقد تأجل النقاش القضائي في موضوع ابعادهم عن القدس لبضعة سنوات.

في يونيو 2010 كان الأربعة قد خرجوا من السّجن وعادوا لمدينة القدس ليجابهوا القرار القديم المتجدد بإبعادهم، إذ تم امهالهم مُجدداً 30 يوماً للخروج من القدس. انتهت المهلة التي أعطيت للنائب أبو طير فتم اعتقاله من رأس العامود شرقي القدس، في حين كان بقي على المهلة المعطاة للنائبين طوطح وعطون وللوزير أبو عرفة أقل من 48 ساعة.

قرار الاعتصام

عن تلك اللحظات يقول عطون: “لم يكن خيار الرضوخ للقرار الإسرائيلي بالابعاد مطروحاً أمامنا، لا يمكن أن نقبل على أنفسنا الخروج من مدينتنا وأن ننفذ هذا القرار بأنفسنا”. وبناء على ذلك، أعلن النائبان عطون وطوطح والوزير السابق أبو عرفة في الأول من يوليو 2010 اعتصامهم في مقر بعثة الصليب الأحمر رافضين الابعاد عن القدس.

وقد شكلت خيمة اعتصام النواب في مقر الصليب الاحمر على مدار عام ونصف “محجاً” للوفود الفلسطينية والأجنبية المتضامنة معهم، وقد تحوّلت خلال تلك الفترة إلى ما يشبه المقر الشعبي لأهالي القدس الممثل لقضاياهم وصمودهم. وقد كانت تنطلق منها الاعتصامات المتضامنة مع الأسرى، وتقام فيها معارض فنية وصلوات جمعة وغيرها من النشاطات.

النائب محمد طوطح، والوزير السابق خالد أبو عرفة، أثناء الاعتصام في خيمة الصليب الأحمر

النائب محمد طوطح، والوزير السابق خالد أبو عرفة، أثناء الاعتصام في خيمة الصليب الأحمر

وقد اقتحمت قوات الاحتلال مقر الصليب الأحمر في يناير 2012 لتعتقل طوطح وأبو عرفة، فيما كانت قد اعتقلت عطون قبل ذلك بـ5 شهور. وبعد أن قضى النواب فترات متفاوتة في سجون الاحتلال، أفرج عنهم إلى مدينة رام الله، حيث يعيشون هناك مبعدين عن القدس منذ العام 2013، منتظرين قرار المحكمة العليا في التماسهم ضدّ سحب إقاماتهم.

حرمان من العائلة

عندما ترشح النائب طوطح للانتخابات عام 2006، كانت ابنته البكر”عُلا” في الصّف الثّالث الابتدائي، وكذلك الأمر بالنسبة للوزير أبو عرفة وابنته أسيل. بعد الاعتقال المتكرر، خرج طوطح وأبو عرفة من سجون الاعتقال في سبتمبر 2014، ليجدا مكان الطفلتين فتاتيْن على أبواب التخرج من المدرسة، والبحث عن التخصص الجامعي المناسب.

يلخصّ طوطح هذه التبعات الاجتماعية التي سببتها اجراءات الاحتلال بالقول: “لقد كان رمضان الماضي أول رمضان أقضيه كاملاً مع عائلتي منذ 9 سنوات! ليس من السّهل الرجوع إلى العائلة بعد هذه الفترة الطويلة، ستكون هناك فجوات في التعامل بشكل أكيد”. أما النائب أبو طير الذي خرج من السّجن الإسرائيلي نهاية يوليو الماضي، فيتحدث عن أحفاده العشرين الذين قلما جمعته معهم ومع آبائهم وأماتهم مائدة واحدة بسبب الاعتقالات المتكررة والابعاد عن القدس.

ومنذ تنفيذ قرار الابعاد عن القدس فعلياً في العام 2012، حيث أفرج عن النّواب الثلاثة والوزير السّابق من السجن عند حواجز الضفة الغربية، يعيشون في مدينة رام الله حياة عائلية مشتتة وغير مستقرة. ويضطر النواب المبعدون إلى تحمل تكاليف فتح بيتين، فلكل واحد منهما بيت في رام الله، وبيته الأصلي في القدس.

فمن جهة، يحتاج النواب المبعدون إلى بيوت في مدينة رام الله حيث أبعدوا، يأوون إليها ويستقبلون فيها عائلاتهم. ومن جهة أخرى، لا يمكنهم إغلاق بيوتهم في القدس وتركها، ونقل عائلاتهم لتعيش بالكامل في رام الله. إذ أن القانون الإسرائيلي يعتبر نقل “مركز الحياة” من القدس إلى الضفة الغربيّة سبباً كافياً لسحب بطاقة الإقامة الإسرائيلية التي يحملها المقدسيون.

عدا عن ذلك، يتشاطر النّواب والوزير السّابق آثار الإبعاد ومشاعر الألم عند وقوع أحداث ذات أهمية في القدس، سواء على الصعيد العائلي الشَخصي، أو على الصعيد الوطني الجماعي. على الصعيد الشخصي مثلاً، في حين كان جميع أفراد عائلة النائب عطون في تركيا يحتفلون بزواج أخيه محمد بعد الافراج عنه ضمن صفقة شاليط وابعاده إلى هناك، كانت سلطات الاحتلال تبعده عبر حاجز قلنديا إلى مدينة رام الله.

أما الوزير السّابق أبو عرفة، فقد تخرّج هذا الصيف ابناه من جامعات الأردن ولم يتمكن من حضور حفل تخرجهما، لأن سحب الإقامة منه يمنعه بالضرورة من السّفر لعدم وجود أوراق رسمية بيده. يقول أبو عرفة: “هذا العام تخرج ابني محمد وابني معاذ من الجامعة، وابنتي أسيل من المدرسة،  أتمنى أن يختم العام بفرحة العودة إلى القدس”.

وعلى الصعيد الوطني الجماعي، يتابع النواب ما يجري في مدينتهم المقدسة عن بعد، ولا يستطيعون مشاركة أبناءها يوميات المواجهة والصمود فيها. عوضاً عن ذلك، يحاول النواب أن ينشطوا في مدينة رام الله، ولكن نشاطاتهم تبقى ضيقة في إطار زيارة أهالي الشهداء والأسرى، وفي ظلّ تعطيل عمل المجلس التشريعي منذ سنوات.

التطورات القضائية

في جلسة المحكمة الثامنة والأخيرة التي عقدت مطلع مايو الماضي بحضور طاقم موسع من ثمانية قضاة، طلب القضاة من وزارة الداخلية الردّ على الاقتراح التالي: “لو قدّم النّواب استقالتهم من المجلس التّشريعيّ، هل تقبلون رجوعهم إلى القدس؟”. وقد أمهلت المحكمة وزارة الداخليّة حتى مطلع آب الجاري لتقديم ردّها ولكنها ما زالت تماطل وتطالب بتمديد المهلة، ومن المتوقع أن تقدم ردّها خلال الأسابيع القريبة.  كما شجعت المحكمة العليا وزارة الداخلية، في تلميح يبدو أنه ينبأ بموقفها المعارض لسحب الإقامات، شجعتها على منح النواب المبعدين على الأقل تصاريح لدخول القدس عوضاً عن بطاقات الإقامة.

وفي حديث مع المحامي فادي قواسمي أحد أفراد طاقم الدفاع الذي يمثل النواب المبعدين، أوضح بأن دفاعهم ضدّ الابعاد يستند إلى 3 ادعاءات رئيسية. يتلخص الادعاء الأول بأن الانتخابات التشريعية الفلسطينية جرت بموجب اتفاقية أوسلو التي سمحت للمقدسيين بالترشح والانتخاب فيها، كما أن حكومة الاحتلال في ذلك الحين  كانت على علم بمشاركة حماس، ولم تعترض ذلك، بل قامت بفتح مراكز البريد الإسرائيلي في القدس وتحويلها لمراكز اقتراع.

أما الادعاء الثّاني فيستقى دعائمه من القانون الدوليّ الذي يعتبر القدس منطقة محتلة تسري عليها معاهدة لاهاي والتي تمنع في بندها رقم (45) “إرغام سكان الأراضي المحتلة على تقديم الولاء للقوة المعادية”. كما أن اتفاقية جنيف في بندها رقم (49) تمنع نقل أو ابعاد سكان منطقة محتلة إلا في حالات معينة لا تنطبق عليها حالة النواب.

أما الادعاء الثالث، فيقول قواسمي أنه يتعلق بالقانون الإسرائيلي نفسه، إذ أن ما يُسمى “قانون الدخول إلى إسرائيل لعام 1952” والذي تستند إليه وزارة الداخلية الإسرائيلية في قرارها سحب إقامات النواب المقدسيين، لا يعطي وزير الداخلية أية صلاحية لسحب الإقامة وفقاً لمعيار “الولاء لدولة إسرائيل”.

ويضيف قواسمي: “حتى لو افترضنا جدلاً أن القانون يعطي تلك الصلاحية، فإنه لا يقدم أي تعريف لمفهوم “الولاء””. ويقارن قواسمي بين قانون “الدخول إلى إسرائيل”، وبين قانون “المواطنة الإسرائيلية”، الذي لطالما رفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن تضيف إليه تعليمات تتعلق بسحب الجنسية الإسرائيلية ممن يُدّعَى عدم ولائهم، ومثال على ذلك الرفض الإسرائيلي القانوني لسحب الجنسية الإسرائيلية من “يجال عمير”، المستوطن الذي قتل رئيس حكومة الاحتلال السابق اسحق رابين.

إذن هي أسابيع قليلة تفصل النواب المبعدين عن تقرير مصيرهم وعودتهم إلى القدس من عدمها، إلا إذا فاجئتهم سلطات الاحتلال بالمزيد من التأجيل. “كان واضحاً في الجلسة الأخيرة للمحكمة بأنها وجدت حرجاً شديداً في تأييد قرار سحب الهوية، وكان ذلك مؤشراً إيجابياً لصالحنا”، يقول أبو عرفة، إلا أنه يستدرك: “في نهاية الأمر، نحن نؤمن بعودتنا إلى القدس من منطلق أننا أصحاب الحقّ”.ويعتبر عطون أن قرار الابعاد فيما لو تم تثبيته، ليس قراراً ضد شخوص النواب فحسب، “بل هو قرار ضدّ مدينة القدس ولصالح إفراغها من الحياة السياسية تماماً”.

في انتظار ردّ وزارة الداخلية ومن ثمّ قرار المحكمة، يبقى النواب والوزير السّابق في ترقب وسط تفاؤل حذر، يزيد وينقص، بعودتهم القريبة المُقيدة ربما بشروط قاسية.

نشر في صحيفة العربي الجديد هنا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s