اللعب بالنّار: المسجد الأقصى مرة أخرى

هنادي قواسمي – القدس المحتلة – العربي الجديد

أصدرت شرطة الاحتلال الإسرائيلي يوم الاثنين الماضي قراراً إدارياً بإبعاد المرابطة الفلسطينية هنادي الحلواني عن المسجد الأقصى مدة 6 أشهر، وهي أطول فترة إبعاد تصدر بحق امرأة فلسطينية عن الأقصى حتى اليوم. ويأتي هذا القرار في ظلّ أوضاع متوترة حول المسجد الأقصى مستمرة منذ ما يزيد عن أسبوعين، نستعرض بعض مشاهدها في هذا التقرير.

9 أيام من التقسيم الزمانيّ

شهد المسجد الأقصى مؤخراً تصعيداً جديداً متكرراً، استمر 9 أيام منذ 23 اغسطس وحتى 3 سبتمبر الجاري، إذ تمنع شرطة الاحتلال الإسرائيلي بشكل تامّ جميع النساء الفلسطينيات من دخول المسجد الأقصى ما بين السّاعة السابعة والنصف وحتى الحادية عشر صباحاً، وهو ذات الزمن الذي يقتحم فيه المستوطنون ساحاته، فيما يبدو “تقسيماً زمانياً” للمسجد الأقصى ما بين الفلسطينيين والمستوطنين.

أما إذا أردت الدخول إلى الأقصى بعد الحادية عشرة، يسمح لك، ولكن قد يتقيد هذا السماح بشرط احتفاظ شرطة الاحتلال على باب الأقصى ببطاقة هويتك، كوسيلة للمراقبة والضبط.

وفي ساعات المنع الممتدة من السابعة حتى الحادية عشرة، كانت تقف ثلة من هؤلاء النساء الممنوعات عند باب السلسلة، الباب الذي يخرج منه المستوطنون بعد انتهاء اقتحامهم للأقصى، ليواجهنهم بالتكبير والهتاف للقدس والأقصى، فيما تتوزع أخريات عند باب المجلس وأبواب أخرى في محاولة لدخول المسجد.

وترى سميرة (إحدى المرابطات، رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي) بأن منع النساء من الدخول للمسجد الأقصى حتى الساعة الحادية عشرة لن يحبط من عزيمة المرابطات والمرابطين. من جهة، تعترف سميرة بأن أعدادهم قد قلّت نسبياً في الفترة الأخيرة، إلا أنها تؤمن بأن التواجد ولو بالعشرات على الأبواب والتصدي للمستوطنين في طريق خروجهم من الأقصى هو أقل الإيمان: “إذا لم نستطع التأثير داخل المسجد.. فلنحاول التأثير على أبوابه، وجودنا يشكل قوة ضاغطة على شرطة الاحتلال وعلى المستوطنين”. وتتجلى مظاهر هذا الضغط – حسب رأيها – في تكثيف أعداد الجنود الذين يؤمنون خروج المستوطنين من جهة باب السّلسلة، وتقييد المرابطات وحشرهن من خلال الحواجز الحديدية في جهة واحدة من الشّارع ومحاولة منعهن من التحرك خارجها.

تقول ليلى الشّريف (61 عاماً)، والتي نجحت في دخول المسجد الأقصى بعد الساعة الحادية عشرة، وبعد أن جربت ذلك من أبواب عدة: “خلال الأسبوع الماضي ونحن في محيط باب السلسلة، صرخ في وجهنا مستوطن بما معناه: يكفيكم ما حظيتم به في شهر رمضان من دخول حرّ للمسجد الأقصى.. الآن دورنا”. وتضيف ليلى بالقول أن أعداد قليلة من النساء تستطيع الدخول لصلاة الفجر بشرط تسليم بطاقات هوياتها.

يذكر أن هذا التقسيم الزماني بين دخول النساء للأقصى وبين اقتحام المستوطنين له ليس بالأمر الجديد، فقد سبق ومنعت شرطة الاحتلال الإسرائيلي النساء من دخول الأقصى قبل الساعة الثالثة عصراً، في العام الماضي، واستمر ذلك لمدة 20 يوماً متواصلاً.

قوائم لنساء ممنوعات بشكل تام من دخول المسجد

انتهت الأيام التسع التي حدد فيها دخول النساء للمسجد الأقصى بعد الحادية عشرة صباحاً، إلا أن ما يقارب 40 فتاة وامرأة فلسطينية ما زلن ممنوعات وبشكل تامّ من دخول المسجد الأقصى، تتراوح أعمارهن ما بين 15 عاماً و65 عاماً. وقد وزعت شرطة الاحتلال أسماء وأرقام هويات هؤلاء النساء على مختلف أبواب المسجد الأقصى، وأوزعت لأفرادها بمنعهن بتاتاً من دخوله.

سحر النتشة (45 عاماً) والتي انتشر فيديو لها وهي تبكي حرقة بعد منعها من الدخول حتى بعد الساعة الحادية عشرة، إذ يرد اسمها في قائمة الممنوعات، قالت: “المسجد الأقصى ليس في خطر .. المسجد الأقصى في أخطار”.  أما هنادي الحلواني والتي يرد اسمها كذلك ضمن قائمة الممنوعات بشكل تامّ من دخول المسجد الأقصى أشارت في حديثها مع العربي الجديد، أن هذه القائمة معرضة للزيادة، إذ كانت قبل حوالي أسبوع تشمل 20 اسماً فقط، أما اليوم ففيها ما يقارب 40 اسماً.

وترى الحلواني أن وجود مثل هكذا قائمة هو أمر غير مسبوق، ويشكل “بطاقة رابحة لصالح الاحتلال”، فهذا المنع ليس كأوامر الابعاد الصادرة عن شرطة الاحتلال لها تاريخ انتهاء، وتأتي مرتبطة بحدث ما، بل هي مفتوحة وعشوائية أحياناً.

أما عن هدف هذا المنع، وهدف ابتداع أمر قائمة الممنوعات، فترى الحلواني أن الاحتلال يصيد عصفورين بحجر، من جهة “يجس نبض الفلسطينيين والمسلمين حول العالم ليرى ما هي ردّة فعلهم على هذا التطبيق الأوليّ للتقسيم الزماني”، ومن جهة أخرى، تربط الحلواني ذلك باقتراب فترة الأعياد اليهودية (عيد رأس السّنة العبرية ويوم الغفران)، والتي تتزايد فيها الدعوات اليهودية لاقتحام المسجد، وبالتالي الحاجة “لتوفير الأمن لهذه الاقتحامات” كما تدعي شرطة الاحتلال، أي إخلاء المسجد من الفلسطينيين.

وقد اعتقلت الحلواني يوم الاثنين بعد أن تمت ملاحقتها في أزقة البلدة القديمة للقدس والهجوم عليها من قبل أفراد شرطة الاحتلال. وقد صادرت الشّرطة هاتفها النقال، وأعطتها أمر إداري بالإبعاد عن المسجد الأقصى لمدة 6 شهور، وقد أجبرتها شرطة الاحتلال على التوقيع على كفالة بقيمة ألفي شيكل، تدفع في حال لم تمثل للتحقيق فور استدعائها في أي وقت كان.

وبعد الإفراج عنها، علقت الحلواني في حديث مع العربي الجديد على أمر ابعادها بالقول أنها باتت تؤمن أن قوائم الممنوعات الأربعين، ما هي إلا “خطوة مرحلية تمنع هؤلاء النساء من دخول الأقصى حتى تتفرغ أجهزة شرطة الاحتلال لكل واحدة منهن على حدى، وتتعامل معها بحسب ملفها”.

وقد فوجئت عدد من الصحفيات صباح الاثنين بورود أسمائهن ضمن قوائم المنع، منهم الصّحفية سماح الدويك التي وضحت في حديث مع العربي الجديد أنه “لم يسبق اعتقالها أو ابعادها عن المسجد الأقصى، وأن منعها من دخوله سيضر بعملها الصحفي إذ أنها تختص بتغطية أخبار المسجد”.

تصعيد سياسي وأمني

وبضغط من الجماعات الاستيطانية المؤيدة لاقتحام الأقصى، توّجه وزير الأمن الداخليّ الإسرائيلي “جلعاد أردان” يوم الاثنين الماضي لوزير الجيش الإسرائيلي “موشيه يعلون” مطالباً إياه بالإعلان عن “المرابطين”، و”المرابطات” كتنظيمين محظورين، وذلك على الرغم من عدم وجود مثل هكذا تنظيم فعلي مُمأسس على أرض الواقع. يذكر أن وزير الامن الداخلي في الحكومة الإسرائيلية السّابقة “اسحق اهرونوفيتش” كان قد تقدم العام الماضيّ بمقترح قانون من أجل إخراج ما سمي “تنظيم المرابطين” عن القانون، إلا أن سنّ القانون لم يكتمل. في المقابل، يرى الوزير الحالي أنه لا حاجة لقانون لتنفيذ هذا الأمر، وإنما يكفي التوجه لوزير الجيش لإصدار أمر عسكري بذلك.

ويأتي هذا التوجه من طرف الوزير أردان بهدف تضييق الخناق أكثر فأكثر على كلّ من يحمل همّ الأقصى ويتواجد في محيطه بشكل يوميّ. وكانت الحكومة الإسرائيلية السّابقة قد أغلقت العام الماضي مؤسسة الأقصى للوقف والتراث التابعة للحركة الإسلامية في الداخل، والتي كانت تتهمها بتمويل مصاطب العلم للمرابطين.

ويرافق هذا التصعيد السياسي تصعيدٌ في استخدام العنف، فقد أعلن رئيس حكومة الاحتلال نتيناهو الأربعاء الماضي بعد اجتماع جمعه مع وزير الجيش ووزير الامن الداخلي، ووزير الاستخبارات والمواصلات، ووزيرة القضاء ورئيس الشاباك، أعلن عن إضافة وحدتين من حرس الحدود الإسرائيلي إلى الوحدات التي تخدم في القدس، بالإضافة إلى 400 شرطي إسرائيلي إضافة لمواجهة ما أسماه “الإرهاب”. وقد تواجدت الأسبوع الماضي في القدس وحدة “يوآف” التي استقدمت من منطقة النقب حيث كان نطاق عملها هناك في تأمين هدم البيوت الفلسطينية.

ولا تتوانى هذه الوحدات الجديدة من شرطة الاحتلال في استخدام العنف ضدّ النساء بشكل أكثر تكثيفاً وأكثر شدة من المرات السابقة. تقول عن ذلك ليلى الشريف (61 عاماً): “في السّابق كنا نقول نحن النساء بأننا قادرات على المواجهة أكثر من الرجال لأن شرطة الاحتلال لم تكن تتجرأ على التعرض لنا بالضرب أو الدفع لكوننا نساءً، أما اليوم تغيّر الوضع كليّا، على أبسط موقف، على أصغر كلمة يباشر الجنود بالضرب والاعتداء والدفع وأحيانا الاعتقال”.

اقتحامات ليلية

وفي خطوة جديدة بدأت قوات الاحتلال بملاحقة النساء في بيوتهن وفي ساعات ما بعد منتصف الليل، فقد داهمت بيوت خمسة منهن فجر الخميس الماضي.  وقد قامت بتفتيش بيوت كلّ من اكرام غزاوي وسماح غزاوي وعايدة الصيداوي، واعتقلت الأولى، فيما سلّمت الثانية أمر استدعاء للتحقيق، والثالثة سلمتها أمراً بالإبعاد عن المسجد الأقصى لمدة شهر. وفي فجر ذات اليوم، اقتحمت قوات الاحتلال بيت جهاد غزاوي وسلمتها أمر استدعاء للتحقيق، وقد سبق اعتقالها وابعادها عن الأقصى عدة مرات.

وتؤكد الحلواني من وسط أصوات النساء المرابطات على باب السلسلة المرتفعة بالهتاف للأقصى والتكبير، تؤكد أن كل هذه الاجراءات لن تثني النساء الفلسطينيات عن حقهن في المسجد الأقصى. تقول الحلواني: “الأخوات اللواتي تم تفتيش بيوتهن ليلاً موجودات على أبواب الأقصى يرابطن.. من تلقت أمراً بالابعاد ما زلت تأتي وتقف هنا وترابط، ما يفعلونه بنا لن يجعلنا نلتزم بيوتنا.. لن يجعلنا نتراجع”.

ابعاد موظفي الأوقاف

وفي مسعى لتحييد كلّ من قد يعرقل اقتحامات المستوطنين، قامت شرطة الاحتلال يوم الاثنين الماضي بإبعاد ستة من موظفي دائرة الاوقاف في المسجد الأقصى عنه لمدة شهرين تنتهي نهاية أكتوبر القادم، هم موظفي دائرة الإعمار حسام سدر وبهاد أبو صبيح وثائر أبو سنينة، بالإضافة إلى الحراس عرفات نجيب وفادي عليان وطارق أبو صبيح.

وفي حديث مع فادي عليان (30 عاماً) أحد الحراس المبعدين عن المسجد، قال بأنه عند استدعائه للتحقيق لدى شرطة الاحتلال، قام أحد الضباط بتهديده قائلاً له بأنّ “أمر تشغيله أو فصله من عمله كحارس هو بيد الشرطة”، وأن “من يرفض الانصياع لأوامر الشّرطة ويشكل خطراً داخل المسجد ستتم معاقبته”، بحسب تعبير الضّابط.

ويوّضح عليان بأن مهمته هو وزملائه الحراس “الحفاظ على أمن المسجد الأقصى”، وأنه اعتاد هو وبعض من زملائه مراقبة تحركات المستوطنين المقتحمين للأقصى لمنعهم من أداء الصّلوات فيه، أو منعهم من سرقة تراب من أرضه أو غضون الزيتون من أشجاره، وقد هددتهم شرطة الاحتلال في حال اعترضوا على تحركات المستوطنين داخل الأقصى.

يذكر أن دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى قد تسلمت قراراً من شرطة الاحتلال قبل حوالي أسبوعين يحذر حراسها من الاقتراب من المستوطنين داخل المسجد مسافة تزيد عن 15 متراً.

ضعف الموقف الرسمي

في المقابل، لم يكن أمام المستوى الرسمي الفلسطيني سوى تنظيم مؤتمر صحفي جاء متأخراً، بمشاركة عكرمة صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا، وأحمد الرويضي مستشار الرئيس أبو مازن لشؤون القدس، وعمر الكسواني مدير المسجد الأقصى. وقال الرويضي خلال المؤتمر بأن اجراءات شرطة الاحتلال الأخيرة تعكس رغبتها بـ”حسم التقسيم الزماني تمهيداً للتقسيم المكاني”.

أما على الصعيد القانوني، قال المحامي خالد زبارقة، وهو من المتابعين لقضايا الابعاد عن المسجد الأقصى، بأن هناك رفض فلسطيني عامّ بالتوجه للمحاكم الإسرائيلية فيما يخص إجراءات الاحتلال في الأقصى. يقول زبارقة: “المحاكم الإسرائيلية ليست منفصلة عن أجهزة الاحتلال الامنية، بل هي أجهزة وظيفية تنفذ سياسة الاحتلال، ونحن نرفض جرّ قضية الأقصى إلى أروقة المحاكم”.

وينبّه زبارقة بأن هناك رسائل مبطنة تصلهم كمحاميين مدافعين عن المرابطين والمرابطين، من قبل شرطة الاحتلال لحثهم للتوجه إلى المحاكم، ومتابعة أي قرار ابعاد قضائياً، لكنهم يرفضون ذلك تماماً، وعلى وعي بالمخاطر التي تنجم عن تداول الأمر قضائياً. “في حال توجهنا لمحكمة اسرائيلية لإبطال أمر ابعاد أو لأي شأن آخر له علاقة بالأقصى، فذلك يعني اعترافاً ضمنياً بالسيادة الإسرائيلية على المكان، ويعني قبولنا أن تتدخل المحكمة لاحقاً في قرارات أخرى ربما تتعلق بساحات الأقصى وتعريفها والسيادة عليها”.

ملاحظة: في التاسع من سبتمبر 2015 أصدر وزير الحرب الاسرائيلي قراراً يقضي بحظر ما أسماه “تنظيم المرابطين والمرابطات” واعتباره تنظيماً غير شرعي.، كتب هذا التقرير قبل صدور القرار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s