صناعة الرأي وادعاءات “الأسرلة” بين المقدسيين

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

في استنتاج غير بريء، كتب “معهد واشنطن لدراسات الشّرق الأدنى”، أحد الأذرع الفكريّة لللوبي الصهيوني في أمريكا، في مقدمة تقرير نشره أواخر أغسطس الماضي العبارة التّالية: “تشير نتائج استطلاع رأي جديد إلى أن هؤلاء المهتمين بالديموقراطية والسّلام يجب أو يولوا اهتماماً أكبر لرغبات الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس، وليس فقط لأولئك الذين يدعون أنهم يتحدثون باسمهم من خارج المدينة”.

كان هذا الاستنتاج أحد خلاصات المعهد من استطلاع رأي أشرف عليه في شهر يونيو 2015 في أوساط الفلسطينيين في القدس شمل عينة من 504 شخص، ونفذه مركز استطلاع فلسطيني في بيت ساحور. بحسب نتائج استطلاع الرأي، فإن 52% من المستطلعة آراؤهم قالوا أنهم يفضلون أن يكونوا “مواطنين في دولة إسرائيل”، مقابل 42% فقط قالوا أنهم يفضلون أن يكونوا مواطنين في “الدولة الفلسطينية”، أو وفق التّعبير الذي استخدمه التّقرير في العنوان: “يفضلون الجنسية الإسرائيلية على الفلسطينية”.

وقبل الخوض في تفاصيل الاستطلاع، من البديهي بل من الجدير بنا النظر بعين الحذر والتشكيك إلى استطلاع رأي يجري في منطقة يدور حولها “صراع”، أو بمعنى أدق منطقة تحت الاحتلال. ليس من البريء أو العادي أن تسأل فلسطينياً احتلت أرضه ويضيق عليه في معيشته وحياته بشكل يوميّ، ويواجه مخططات لاقتلاعه من مدينته، “أي سيادة تفضل، سيادة بلدك أم سيادة المحتل؟”. خاصّة أن مثل هكذا سؤال لا ينبع من الرغبة في تحقيق “مطالب ومصالح” ذلك الفلسطيني المحاصر، وإنما من محاولة للتظاهر بأن هناك “رأي عام” في القدس يرى في السيادة الإسرائيلية على المدينة خلاصاً له.

وذلك واضح في الاستنتاج المدوّن أعلاه. فالمعهد خلص إلى أن هذه الأرقام الملغومة تعني أن الشّعارات السّياسية التي يحملها الفلسطينيون أو قادتهم ليست هي الممثل الحقيقي لما يريده الفلسطينيون، وإنما يجب على من يهتم بالديموقراطية والسّلام، وغالب الظّن أنه يقصد أمريكا، وربما “إسرائيل”، أن يلتفت إلى آراء “الشّعب” نفسه وإلى ما يفضله أفراده.

وإذا ما نحينا جانباً لبعض الوقت آليات الاستطلاع وتفاصيله، يظهر في قراءة المعهد لنتائج استطلاعه تجيير لها وتوظيف لصالح مقولة سياسية صهيونية بالأساس، وهي أن “القدس موحدة”، ليس فقط برغبة الإسرائيليين، وإنما كذلك برغبة الفلسطينيين أنفسهم الذين لا يريدون أن يصبحوا تحت حكم “الدولة الفلسطينية”.

وعلى الرغم من اعتراف المعهد بأن أسباب هؤلاء المستطلعة آراؤهم في تفضيل “الجنسية الإسرائيلية” على الفلسطينية، هي أسباب “عملية” براغماتية تتعلق بمتطلبات الحياة، مثل الحصول على وظائف أفضل، معاشات أعلى، نظام صحيّ واجتماعي أكثر تطوراً، وحرية حركة، وغير ذلك، إلا أنه لا يكلف خاطره في الحديث عن السّياق السّياسي الذي جعل هذه الأسباب العملية تقرر للمقدسيين ما هي “أفضل جنسية” لهم في حال رغبوا بتخفيف “تعاسة العيش تحت الاحتلال”. على العكس، يحوّل المعهد هذه الأسباب العملية البحتة ليستقى منها نتائج “مبدئية” يمكن البناء عليها سياسياً.

بكل بساطة يرى هؤلاء الباحثين أنه من المقبول أن يُضيق على الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وتحصر حركتهم ويمنعون من التنقل والسّفر، وأن تحاصر القدس بجدار ويضيق على أي نشاط سياسي يمارس فيها، ومن ثم أن يأتي أحدهم يسأل أهل القدس: “هل تريدون أن نضيق عليكم مثلما نضيق على هؤلاء في الضفة”، فيقولون “نعم”!

ولا توجد على موقع المعهد تفاصيل حول الأسئلة التي وجهت للمستطلعة آراؤهم ولا صيغة الأسئلة وترتيبها واللغة المستخدمة فيها. ولكن، مما نشر نجد أن الاستطلاع يضع الفلسطيني تحت سقف الحلول المتعلقة بـ”الدولة”، ويضعه أمام خيارين لا ثالث لهما إما “دولة إسرائيلية”، أو “دولة فلسطينية” برغم عدم وجود هذه الأخيرة، ولنا أن نسأل هل كلّف الاستطلاع نفسه أن يسأل الناس مثلا إلى أي حدّ يعتقدون أنه ستقام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وفي جولة سريعة على نتائج الاستطلاع كما ذكرها التقرير، يظهر أن 23% فقط من الفلسطينيين في القدس يصرون على سيادة فلسطينية على كامل مدينة القدس، وأن 70% منهم يأيدون حلّ الدولتين. على الرغم من ذلك، يقول المعهد، “المقدسيون ليسوا معتدلين إلى هذا الحدّ”، فـ55% منهم يؤمنون بضرورة تحرير كلّ فلسطين حتى وإن قبلوا بحلّ الدولتين. كما أنّ 61% منهم يأيدون الصّراع المسلح والهجوم بالسيارات، و39% يقولون أن حركة حماس تمثل آراءهم السّياسية.

وبناء على هذه الأرقام، يواصل المعهد استنتاجاته غير البريئة قائلاً بأن هناك “دروس سياسية أوسع” يمكن تعلمها من هذه النتائج. إضافة إلى الاستنتاج المذكور أعلاه، يقول بأن “الاستفادة من التعايش العملي يمكن أن توّلد عقلية أكثر اعتدالاً”. أما ثانياً، فيقول المعهد بأن “التقارب مع حزب معين ليس مؤشراً جيداً للمواقف الأساسية التي يحملها الفرد”، ويقصدون بذلك شعبية حركة حماس.

بمعنى آخر، يريد المعهد أن يوصي واضع السياسات الإسرائيلي بأن “الأسباب العملية” التي لأجلها يفضل الفلسطيني الجنسية الإسرائيلية، هي المفتاح لضبط أهالي القدس ولضمان وجودهم وتحركهم تحت سقف الوجود الإسرائيلي في كامل القدس. يعوّل المعهد على الحياة اليومية ومتطلباتها لدى الفلسطينيين في القدس كوسيلة لزيادة ارتباطهم بدولة الاحتلال ومؤسساتها، أو بتعبير أدق تحويل متطلبات الحياة إلى وسيلة ابتزاز سياسي لهم. ويستلزم ذلك من الإسرائيليين أن يوفروا حياة معيشية أفضل لسكان القدس، عن طريق توفير فرص عمل، تحسين ظروفهم الاقتصادية، وزيادة ارتباطهم معيشياً بكل ما هو إسرائيلي، بدءاً من المدارس، وربما انتهاءً بقبولهم التصويت في انتخابات بلدية الاحتلال وحصولهم على الجنسية.

من ناحية أخرى، يحاول المعهد تفسير النسبة من المؤيدين لحماس بأن ذلك بسبب “عدم السماح للسلطة الفلسطينية بالعمل داخل القدس”، أو ربما لأن هؤلاء المنتمين شعورياً لحماس مجرد يعبرون بهذا الانتماء عن كونهم “متدينين”. بذلك يلمح المعهد إلى ضرورة إتاحة المجال للفعالين ضمن السّلطة الوطنية الفلسطينية للعمل داخل القدس، وذلك في سبيل تخفيف حدّة الانتماء لحركات غير مرغوب بها كحركة حماس.

في المجمل، يعطي التقرير وقراءته في “معهد واشنطن” ما يشبه الدليل السّريع لواضع ومنفذ السياسات الإسرائيلي عن كيفية التعامل مع الوجود العربي الفلسطيني في القدس: اسمحوا للمعتدلين بالعمل، اهتموا بالبنى التحتية والظروف المعيشية، والأهم روّجوا أن العرب “يريدونكم أنتم”، والدليل: استطلاع الرأي.

استطلاعات الرأي كأداة لتسويق السياسات

ويحيلنا هذا الاستطلاع الذي يجريه “معهد واشنطن” للمرة الثالثة في القدس إلى الاستطلاع الشّهير سيء الذكر الذي أجراه عام 2003 المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحيّة في رام الله، والذي أشارت نتائجه إلى أن أغلبية من اللاجئين في الضفة والقطاع ولبنان والأردن تتنازل عن حقّ العودة، وأن فقط 10% منهم يرغبون في الرجوع إلى القرى والأراضي التي هُجّر أجدادهم منها في الأراضي المحتلة عام 1948.

وقد تم استخدام نتائج هذا الاطلاع سياسياً في حينه، وروجت لها المواقع الإعلامية الإسرائيلية والأمريكية بشكل كبير، باعتبارها دليلاً على “إرادة الفلسطينيين”. وقد كان الردّ الفلسطيني الشّعبي على اعلان هذه النتائج أن تم اقتحام مكتب المركز الفلسطيني الذي أجرى الاستطلاع، وتحطيم بعض محتوياته ورشقوا مديره خليل الشقاقي بالبيض.

في المحصلة، لا تخدم استطلاعات الرأي هدف معرفة رأي الناس وتقديمه لراسمي السياسات، إنما هي تقوم “بصناعة الرأي” على عينها، على الوجه الذي يرضي من يقف وراءها.

وقد تلقف هذا الاستطلاع ونتائجه سريعاً الباحث الإسرائيلي “نداف شرجاي” والذي يعمل باحثاً في مركز أبحاث إسرائيلي هو “المركز المقدسي لشؤون المجتمع والدولة”، وقد سبق أن عمل في جريدة “هآرتس” لـ 26 عاماً وكان يوصف في كثير من الأحيان بأنه “ورقة التين اليمينية” للجريدة اليسارية.

ويرى شرجاي في هذا الاستطلاع اثباتاً لنظريته التي شرحها في كتابه الصادر حديثاً “وهم التقسيم”، والتي تقضي بأنه لا يمكن من منظور المصالح الإسرائيلية تقسيم مدينة القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن الفلسطينين في القدس أنفسهم لا يريدون الانسلاخ عن السيادة الإسرائيلية، على حدّ زعمه.

وقد قال شرجاي في تعليق له على الاستطلاع أنه دليل قويّ على “تعاظم موجة الأسرلة في صفوف الفلسطينيين في القدس”. يبدو استنتاجه غير مترابط، فمن جانب يشير هو والمعهد في آن واحد إلى الأسباب العملية البراغماتية التي تقف وراء تفضيل “الجنسية الإسرائيلية على الفلسطينية”، ولكنه في ذات الوقت يستنتج من هذه الأسباب العملية موقفاً مبدئياً يُشير إليه بمصطلح “الأسرلة”. ولتوضيح ذلك أكثر، يمكن التفكير بالمثال التالي، إذا تعلم النّاس اللغة العبرية من أجل فهم المعاملات الرسمية لهم مع سلطات الاحتلال، أي لسبب عملي بحت، هل يعني ذلك أنهم “تأسرلوا”، هل يعني ذلك أن وعيهم وهويتهم الوطنية غُيبت؟

ورحب شرجاي بالنتائج لكونها تتفق مع الادعاءات الرئيسية التي يسوقها في كتابه حول الفلسطينيين في القدس وأنهم “يندمجون أكثر فأكثر في النسيج الإسرائيلي البلدي للمدينة”. وينصح شرجاي السلطات الإسرائيلية قائلاً بأن فلسطينيي القدس هم “عامل ذو وزن ثقيل، يجب الاستماع إليهم والاهتمام بميولهم للعيش في مدينة مختلفة كمواطنين مع حقوق متساوية”. ويختم مقاله بالتحذير من إحدى معطيات الاستطلاع، وهي أن الفلسطينيين الذين يعيشون في الأحياء التي فصلها الجدار الفاصل عن مركز المدينة، مثل مخيم شعفاط وكفر عقب، والذين لا تقدم لهم خدمات بلدية إسرائيلية، يحملون مواقف “أكثر تطرفاً” من أولئك الذين يعيشون في الجهة الإسرائيلية من الجدار. وعليه يربط شرجاي بين “المواقف المتطرفة” وبين المستوى المعيشي ونوعية الخدمات البلدية، إذ أن مستوى الأخيرة يؤثر على مستوى الأولى بشكل عكسي.

ازدياد طلب الحصول على الجنسية الإسرائيلية

على صعيد الواقع، لا يمكن التنكر للمعطيات والأرقام، فحسب معطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية هناك ارتفاع واضح في عدد طالبي الجنسية الإسرائيلية من بين الفلسطينيين في القدس. وبينما كان عدد هؤلاء في العام 2003 فقط 114 فلسطينياً، فإن عددهم قفز إلى ما يقارب الألف في العام 2015.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن المقدسيين يتأسرلون، وأنهم يتنازلون عن هويتهم الوطنية، ولا تعني أن هناك رأياً عاماً فلسطينياً يقبل الاحتلال. يكفي أن نذكر أن غالبية حوادث القاء الحجارة تحصل في القدس، وأن ثلث الأطفال الفلسطينيين الموجودين في سجون الاحتلال هم من أطفال القدس. وما زالت الغالبية العظمى من المقدسيين تحمل مواقف مناهضة لطلب الجنسية الإسرائيلية، ناهيك عن فتوى تحريم ذلك.

إضافة إلى ذلك، فإن التقارير الصحفية العبرية منها والأجنبية التي تحدثت عن هذا الارتفاع، أجرت مقابلات مع أشخاص قاموا بتقديم طلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وكان تبريرهم لذلك منحصراً في الرغبة في “تثبيت أنفسهم في القدس، والحفاظ على وجودهم. مرة أخرى، هذا يعني أن الأسباب برغماتية بحتة وليست مبدئية، أي أنهم يلجأون إلى ذلك مضطرين.

إن هذه الأرقام، تدلّ على عمق الوحدة التي ترك فيها أهل القدس ليواجهوا مصيرهم منفردين، ويبحثوا عن الخلاص الفردي، مهما كانت وسيلته، من أجل البقاء في القدس والصمود فيها. (يذكر أن الوضع القانوني الإسرائيلي لأهل القدس يصنفهم كمقيمين دائمين، مما يعني أنهم معرضون لخسارة الإقامة في القدس في حال سافروا لبضع سنوات للعمل أو التعلم خارج فلسطين، أو سكنوا في الضّفة الغربية، وقد سحبت وزارة الداخلية على مدار 48 عاماً من الاحتلال أكثر من 14 ألف بطاقة إقامة من المقدسيين).

في الختام، أذكر بأن ما تشير إليه قراءة “معهد واشنطن” يتسق ويخدم سياسة الضّبط الناعم التي تحاول سلطات الاحتلال من خلالها مواجهة أهل القدس. تدرك هذه السّلطات بأن القوة لن تخمد غضب المقدسيين ولن تمحي انتماءهم الوطنيّ، لذلك فهي تعمد بين الحين والآخر إلى وسائل “الاحتواء” أو الضبط الناعم، بحيث تجعل أذرعها المختلفة عنواناً لهم، وتمسكهم من أياديهم التي توجعهم كما يقول المثل، من يد العمل والرزق والتحصيل الأكاديمي وغيرها. وبموازة هذه السياسة الناعمة – العنيفة تؤدي هذه الأرقام الملغومة في استطلاعات الرأي الخبيثة دوراً في الترويج للسياسة والتحفيز على استمرارها.

نشر هذا المقال في صحيفة العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s