القدس إذ تقلق أمن الاحتلال.. أكثر من 240 معتقلاً في أسبوعي الأعياد اليهودية

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

في زنزانة انفرادية ضيقة، هكذا قضى محمد أسامة أبو جمعة (16 عاماً) من القدس غالب وقته أول أيام عيد الأضحى الأسبوع الماضي. كانت شرطة الاحتلال الإسرائيلي قد اعتقلت محمد يوم الأحد 20 سبتمبر من منزله السّاعة الثالثة والنصف فجراً، واقتاده إلى مركز تحقيق المسكوبية، حيث حقق معه حول حادثة حرق الجيب العسكري الإسرائيلي في قرية الطور شرقي القدس.

أما عن عزله لمدة ست ساعات، فيقول محمد في حديثه مع “العربي الجديد”، أنّ أحد الضّباط الإسرائيليين في مركز التوقيف “المسكوبية” كان قد وعده هو و4 أطفال آخرين محتجزين في نفس الغرفة بأن يتيح لهم الاتصال هاتفياً بأهاليهم لتهنئتهم بالعيد، إلا أن ذلك لم يحصل. قرر الأطفال الخمسة الاحتجاج فبدأوا باطلاق تكبيرات العيد، وبما أنه أكبر الموجودين، قام أفراد الشرطة باقتياده من الغرفة وعزله في زنزانة انفرادية كنوع من العقاب استمر لستّ ساعات.

أما في اليوم الذي سبقه، يوم عرفة، فقد أفطر محمد ورفاقه في غرفة السّجن السّاعة العاشرة ليلاً، أي متأخرين لمدة 3 ساعات عن موعد الإفطار الأصلي، بعد أن تعمدت شرطة الاحتلال تأخير وجبة الإفطار عنهم، كما أنها لم تقدم لهم وجبة السّحور. عدا عن التأخير في تقديم الوجبات بالأخص في يوم عرفة، فإن مركز تحقيق “المسكوبية” مشهور برداءة الطعام الذي يقدمه للمحتجزين الفلسطينيين.

يصف محمد هذه الرداءة بالقول “هذا ليس أكلاً.. هذا أكل معدّ خصيصاً للرمي للنفايات.. ليس للأكل”. أما عن تفاصيل تلك الرداءة فيضيف: “مثلاً نحصل على قطعة دجاج غير منظفة جيداً، فنجد عليها آثار ريش، أو تكون المعكرونة بلا أي طعم”. أما ما كان يسدّ جوع محمد ورفاقه ولو بالقليل كما يقول فهو رغيف الخبز الذي يأتي مغلفاً في كيس بلاستيكي مما يجعله أفضل الموجود وأنظفه.

محمد هو واحد من بين أكثر من 240 فلسطينياً اعتقلوا من مدينة القدس خلال الأسبوعين الأخيرين فقط من شهر سبتمبر، أصغرهم يبلغ من العمر 8 سنوات، و أغلبهم أفرج عنه. فمنذ الثالث عشر من شهر سبتمبر، تاريخ بدء الأعياد اليهودية، تنفذ شرطة الاحتلال حملة اعتقالات شرسة وواسعة بحقّ أبناء المدينة، خاصّة مع احتدام المواجهات مع شرطة الاحتلال في المسجد الأقصى ومحيطه وفي بقية أحياء وقرى القدس.

وبحسب أمجد أبو عصب، الناطق باسم أهالي أسرى القدس، فإن هناك  أكثر من 100 رجل من بين المعتقلين، و15 سيدة،  وأكثر من 80 طفل تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والثامنة عشرة عاماً، و12 طفلاً أعمارهم تحت الثانية عشرة عاماً، منهم أطفال بعمر 8 أعوام فقط.  أما الحصيلة الكاملة للاعتقالات في القدس خلال شهر سبتمبر فتصل إلى ما يقارب 294 فلسطينياً.

وفي خبر يعكس عجز شرطة الاحتلال،  ذكرت مصادر إعلامية إسرائلية أن الشّرطة تدرس إمكانية تنفيذ اعتقالات إدارية في محاولة لمنع الاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى ومحيطه. والاعتقال الإداري في القدس يستلزم موافقة وزير الامن الداخلي الإسرائيلي، وتصل مدته إلى 6 شهور بدون محاكمة، قابلة للتجديد.

شرطة الاحتلال تعتقل 3 أطفال بالقرب من باب العامود بتاريخ 21 أيلول - عدسة: مصطفى الخاروف

شرطة الاحتلال تعتقل 4 أطفال بالقرب من باب العامود بتاريخ 21 أيلول – عدسة: مصطفى الخاروف

رغبة الانتقام

وتعليقاً على هذا العدد الكبير من الاعتقالات خلال فترة زمنية قصيرة يقول أبو عصب بأن “سلطات الاحتلال تريد أن تردع الفلسطينيين في القدس عن مقاومته عن طريق ترويع الأهالي واعتقال أبنائهم، في محاولة منها لجعل الأهالي وسيلة ضغط على أبنائهم”. ويضيف أبو عصب نقلاً عن أحد المحامين المتابعين لملفات المعتقلين بأن ضباط الشّرطة كانوا يتوعدون بأنهم “سينغصون” على الفلسطينيين عيدهم كما “نغص” الأخيرون على الإسرائيليين أعيادهم، في إشارة إلى ارتفاع حدّة المواجهات في مختلف أرجاء القدس مع بدء الأعياد اليهودية.

ويرى المحامي محمد محمود من مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ورعاية الأسير، بأن هناك سياسة انتقام وردع واضحة في تنفيذ أغلب هذه الاعتقالات، إذ أنها عادة ما تنفذ في ساعات الفجر الأولى، وتترافق مع تفتيش دقيق وعنيف للبيوت يتخلله الإضرار بالممتلكات و”قلب البيوت رأساً على عقب”، بحسب تعبيره.

بالإضافة إلى ذلك، يشير المحامي محمود إلى تصعيد في اعتقال الأطفال ممن هم دون سنّ الثانية عشرة عاماً، منهم يزن خويص (8 أعوام) وشفيق نادر الشّويكي (9 أعوام)، الذين أفرج عنهم لاحقاً. يذكر أن القانون الإسرائيلي المفروض على القدس المحتلة يمنع اعتقال أي طفل تحت الـ12 من عمره.”

ومن الأطفال المعتقلين حتى اللحظة الطفل عبد الناصر عودة (14 عاماً) من حي رأس العامود، والذي دخل يومه العاشر في زنازين التحقيق في المسكوبية، بدون السماح للمحامي أو لأهله بزيارته. وفي إحدى جلسات محاكم تمديد اعتقاله، والتي لا يسمح فيها باقتراب الأهل منه، قام عبد الناصر ورفع صوته قائلاً لوالدته: “أخبري الصليب الأحمر عني”. وتقول والدته بأن شرطة الاحتلال رفضت حتى طلب الصّليب الأحمر زيارته. وقد علمت العائلة لاحقاً بأن ابنها يتعرض للضرب أثناء التحقيق، وهو ما تصدقه علامات الانهاك الذي بدت عليه كما تقول والدته.

وبحسب المحامي محمود أن كثير من هذه الاعتقالات “كيدية” وتأتي بهدف نشر الخوف والردع، وكأن شرطة الاحتلال تتخبط في الشّوارع وتعتقل من “يتسنى لها” اعتقاله بدون أي هدف محدد.  ويضرب محمود مثالاً على ذلك بأن كثيرين ممن اعتقلوا أفرج عنهم خلال ساعات أو خلال أيام دون توجيه أي لوائح اتهام لهم في المحاكم، ولم يكونوا أصلاً في دوائر الأحداث المشتعلة.

في عصر الجمعة 18 سبتمبر على سبيل المثال، ألقيت زجاجات حارقة باتجاه سيارة تابعة لوحدة المستعربين في قرية جبل المكبر، نتج عنها إصابة 3 مستعربين بحروق طفيفة. أثار الحدث جنون شرطة الاحتلال فبدأت باقتحام البيوت بشكل عشوائي وتنفيذ اعتقالات من داخلها.

يزن عويسات (18 عاماً)، كان يجلس مع عائلته في بيتهم القريب عندما اقتحمت قوة من شرطة الاحتلال بيتهم وبدأت بتفتيشه. يقول يزن في حديثه مع العربي الجديد “رأيتهم من نافذة البيت يضربون أحد أقاربي واسمه ليث بشكل عنيف، فاعترضت وقلت ماذا هناك لماذا تضربونه هكذا، فقاموا بالانقضاض عليّ وضربي أمام أمي وأخواتي، ومن ثم اعتقلوني”.

لم يدم اعتقال يزن وقريبه أكثر من 10 ساعات، أفرج عنهم دون توجيه أي تهم، وبشرط الحبس المنزلي لمدة 5 أيام.

ومن ضمن هذه الاعتقالات الكيدية ما يقارب 26 شاباً اعتقلوا في ذات اليوم – 21 سبتمبر – وبقيوا قيد الاحتجاز ما يقارب أسبوع وأفرج عنهم يوم الاحد آخر أيام عيد الأضحى. ويعلق محمود “أي عيد عاشته هذه العائلات في التنقل ما بين مركز شرطة وآخر للاطمئنان على أبنائها وأغلبهم دون الـ18 عاماً، هناك هدف واضح يقضي بالتنغيص على أهالي القدس”.

وحدة جديدة لمتابعة قضايا إلقاء الحجارة

وقد تم تحويل عدد كبير من المعتقلين للتحقيق في محطة شرطة “عوز” المقام على أراضي جبل المكبر جنوبي القدس، حيث يقوم على التحقيق مع المعتقلين هناك أفرادٌ شرطة من وحدة جديدة وخاصّة قامت شرطة الاحتلال بإنشائها مؤخراً، وهي وحدة “ذات مهمة محددة”، بمعنى أنها مختصة فقط بتنفيذ مهمة محددة، وهي التحقيق في حوادث إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة في مناطق القدس.

ويرى المحامي محمود أن اختيار محطة “عوز” لتكون مكان عمل هذه الوحدة الشرطية الجديدة هو تعمد في إذلال وإرهاق الناس. يشرح محمود: “أغلب المعتقلين هم من وسط القدس وشرقها، وليسوا من منطقة جبل المكبر وجنوب القدس، وهذا يعني أن أهالي المعتقلين يجب أن يذهبوا إلى أقصى جنوب القدس لانتظار ابنائهم، وكل معاملة تتعلق بابنهم وخاصة الافراج عنهم يجب أن يحصل من محطة عوز”.

عدا عن ذلك، فإن هناك إرهاق للمعتقل نفسه، إذ يبيت المعتقلون لياليهم في مقر شرطة “المسكوبية” الواقع وسط القدس، ولكن عند التحقيق معهم ينقلون إلى مركز “شرطة عوز” جنوباً، مما يعني المزيد من الإذلال خلال النقل في سيارات الشّرطة، وعند الدخول إلى مراكز الشرطة.

تعمد الاعتداء الوحشي على المعتقلين

ويبدو أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد جنّ جنونها من أهالي القدس، فهم الذين اضطروها إلى جلب المزيد من التعزيزات العسكرية وطرح مكافئات مالية لأفراد الشّرطة الذين يقبلون على أداء خدمتهم في القدس. عدا عن أن المقدسيين قد حولوا هذه “العاصمة المزعومة لدولة إسرائيل” إلى مكان غير آمن، يضطر رئيس حكومة الاحتلال ووزرائه إلى عقد اجتماعاتهم خلال فترة الأعياد اليهودية من أجل متابعة شؤونه.

وقد انعكس ذلك في الاستخدام الواسع للقوة تجاه أي تجمهر أو أي معتقل في المدينة. ويقول رمزي اكتيلات، المحامي في مؤسسة قدسنا لحقوق الإنسان والذي يتولى كذلك ملفات بعض المعتقلين، “كأن هناك أوامر للشرطة باستخدام أي وسيلة لتنفيذ اعتقالات، من منظورهم يجب فض أي تجمهر أو أي تواجد في محيط المسجد الأقصى وفي أحياء القدس حتى لو كان ذلك عن طريق استخدام قوة أكثر مما يستدعي الأمر بحسب مقاييسهم الاعتيادية”.

ويلفت اكتيلات النظر إلى أن أفراد شرطة الاحتلال يعتدون على عدد كبير من المعتقلين وراء الكواليس، وذلك قبل دخولهم إلى غرف التحقيق المصوّرة بالكاميرات على مدار 24 ساعة. ويشتهر في ذلك مركز التوقيف المسمى “بيت إلياهو” الواقع في حي السّلسلة غربي المسجد الأقصى.

يقول كتيلات: “يعتبر مغفر بيت إلياهو محطة توقيف مؤقتة، فلا يتم فيه أي تحقيق، ولا توجد فيه كاميرات مراقبة، هو مجرد محطة انتظار إلى حين يتم نقل المعتقل إلى مركز التحقيق في المسكوبية أو القشلة، ولذلك يستغل أفراد شرطة الاحتلال الفرصة للاعتداء على المعتقلين بوحشية، وليقوموا كذلك بالتنسيق فيما بينهم بخصوص الإفادة التي سيقدمونها إلى ضابط التحقيق”.

وقد روت الشّابة آلاء الداية (18 عاماً) من البلدة القديمة تفاصيل مؤلمة لتعرضها للضرب والاعتداء أثناء احتجازها في مغفر “بيت الياهو”. آلاء التي اعتقلت يوم الاحد 13 سبتمبر تظهر في فيديو انتشر على الفيسبوك، وهي محاطة بما يقارب 5 أفراد من شرطة الاحتلال، أحدهم يلفّ ذراعه حول رقبتها ويشدها بعنف إلى داخل مغفر بيت إلياهو.

أما داخل المغفر وهو ما لم تلتقطه عدسات المصورين، فتروي آلاء أنه تم دفعها وإلقائها أرضاً، ومن ثم بدأ الجنود بضربها بأقدامهم والدوس على أقدامها ورقبتها أحياناً. بعد ذلك، تعمد أحد أفراد شرطة الاحتلال مسك آلاء من رأسها ونزع الحجاب عنها، ومن ثم قام بضرب رأسها بالحائط عدة مرات. كما قاموا بضرب كاميرتها بالحائط أكثر من مرة حتى تكسرت العدسة.

تقول آلاء: “لقد كانوا إرهابيين بمعنى الكلمة، يحاولون استفزازي واهانتي بكل طريقة، أحدهم كان يهدد بأنه سيصورني وأنا غير محجبة، وغيره كان يشتمني ويشتم أمي ويشتم النبي محمد أمامي، وأخرى كانت تحاول إهانتي بالقول أن أهالي القدس فقراء غير متحضرين..”. وبعد جولة من الاعتداء والعنف بحقّ آلاء، أحضر لها أحد أفراد الشرطة ورقة لتوقع عليها تشير فيها أنها “لم تتعرض إلى أي نوع من الاعتداء”، ولكنها رفضت التوقيع عليها بحزم.

نشر على العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s