هوس أمني.. وفي النهاية “الإخبارية كاذبة”

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي يوم الخميس الماضي حالة تأهب قصوى في تل أبيب وجارتها مستوطنة “جفعاتيم”، أغلقت شوارع رئيسة في المنطقة، وشوارع سريعة تؤدي إليها، وارتفعت إلى سمائها طائرة مروحية.

كانت الأخبار التي تتوالى في ذلك الصّباح الباكر على مواقع الإعلام الإسرائيلي توحي بمشهد من الأفلام البوليسية المليئة بمشاهد اطلاق النار والسّيارات المسرعة. إذ كانت العناوين العبرية تتحدت عن “مطاردة بالسيارات”، “أزمات سير خانقة بسبب الإغلاقات”، و”توتر” في محاولة للبحث عن فلسطينيين اثنيْن وصفتهما بـ”المخربين”. تم استدعاء أفراد من شرطة الاحتلال من مناطق خارج تل أبيب، كما أعطيت تعليمات للمراكز التجارية القريبة بإغلاق أبوابها.

لم تكد تمضِ ساعة كاملة حتى صرحت شرطة الاحتلال بأنّه تم القبض على “المشتبهين” الفلسطينيين، فيما أثنى الإعلام الإسرائيلي على الجهوزية العالية والتحرك السّريع لأجهزة الأمن، وضمّن تقاريره اقتباسات من متحدثين باسم أجهزة الشرطة والمخابرات حول التحذيرات الأمنية التي تصلهم، وأنهم “لا يستطيعون أخذ مخاطرة، وبالتالي يتحركون فوراً”.

وفي حدث يعكس كمية الهوس الإسرائيلي بالأمن، وبعد أقل من ست ساعات، عاد الإعلام الإسرائيلي ليخبرنا أنه تم الافراج عن الفلسطينييْن وأنه زال “الاشتباه” في كونهما يريدان تنفيذ عملية في تل أبيب. كان هذان الفلسطينيان هما محمد هاشم حورشية وعمار العملة من مدينة القدس، عاملان في مجال الكهرباء.

محمد حورشية أثناء اعتقاله - الصورة من موقع واينت الاسرائيلي

محمد حورشية أثناء اعتقاله – الصورة من موقع واينت الاسرائيلي

وفي حديث للعربي الجديد مع محمد حورشية (18 عاماً)، يروي أنه كان برفقة معلمه في العمل عمار العملة، يشتغلون في مجال تمديدات الكهرباء في إحدى البيوت في مستوطنة “جفعاتيم”، حينما تفاجىء بقوات كبيرة من شرطة الاحتلال تقوم بتطويق المنطقة والاعتداء عليه وعلى معلمه عمار بالضّرب المبرح بأياديهم وبواسطة الأسلحة التي يحملونها.

ويقول حورشية بأنه تعرض للتحقيق من قبل أفراد المخابرات الإسرائيلية في موقع عمله لمدة تصل إلى ساعتين، قال له فيها المحققون أنهم “كانوا يبحثون عنه منذ ساعات الصّباح الباكر بعد أن وصلتهم إخبارية أنه يريد تنفيذ عملية”. بعد ذلك، تم اقتياد حورشية والعملة إلى مركز التحقيق حيث استمر احتجازهما والتحقيق معهما ما يقارب 6 ساعات، أخبرتهم المخابرات في نهايتها أنهم يستطيعان العودة إلى بيوتهما، وأن “خطأ ” ما قد حصل.

ويروي حورشية عن التهديدات والضغوطات التي يعمد إليها المحققون الإسرائيليون في محاولة لإخضاع الفلسطيني المعتقل وإخافته وإجباره على الاعتراف بشيء لم يقم به. “كان أحد المحققين يهددني بأنه يمكنه قتلي في حال لم أوافق على كلامه، كان يحاول اجباري على الاعتراف، فيقول مثلا معلومة معينة ويضغط علي للموافقة عليها والقول بأنها صحيحة”، يقول حورشية.

وعندما أنكر حورشية التهم التي وجهها له المحققون، وأصرّ على ذلك، قال له أحد المحققين في محاولة لممارسة المزيد من الضغط عليه: “على الأقل ربما أنت فكرت لمجرد التفكير أن تقوم بتنفيذ عملية، لأن من لا يفكر بذلك لديكم أنتم الفلسطينيون تقولون عنه “عميل” “.

وفي هذه الأثناء كان يتم التحقيق مع العملة، وسؤاله عن توجهات حورشية وآرائه السّياسية. وبعدما انتهى التحقيق وسط إصرار العملة وحورشية على رفض التهم الموّجهة لحورشية، أخبرهم أحد الضباط الإسرائيليين بأن “تم التأكد من هويتهما”، وأنه يمكنهما المغادرة لأنه “قد زال الاشتباه بهما”. وعندما لوّح حورشية برغبته في تقديم شكوى ضدّ أفراد الشرطة بعد ضربه والاعتداء عليه واحتجازه ردّ عليه أحد الضّباط في محاولة لتخويفه: “إذ قدمت شكوى ضدنا كأنت قدمت شكوى ضدّ رئيس الدولة.. لن ينظروا لها”.

ويشير حورشية إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها للملاحقة من قبل شرطة الاحتلال، إذ كان يقوم بعمله في مجال الكهرباء قبل أسبوعين داخل مستشفى هداسا عين كارم في القدس المحتلة، وقام جنديان إسرائيليان بتوقيفه وتهديده بأنهما سيعملان على طرده من عمله لو رأوه مرة أخرى في نفس المكان.

وفي الآونة الأخيرة ومع تأهب وانتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي في مختلف الأماكن، يتعرض الكثير من الشّبان والعمال الفلسطينيين الذين يتوجهون لسوق العمل الإسرائيلي من مضايقات وملاحقات واعتقالات يكون أساسها “الاشتباه” بدون أي دليل، الأمر الذي يعكس نوعاً من الارتباك والهوس الأمني لدى سلطات الاحتلال. ويتحوّل وجود العمال العادي والمعروف مسبقاً في مواقع عمل أو ورشات بناء إلى محل اشتباه لمجرد ملامحهم العربيّة.

فيما أدى الهوس الأمني الإسرائيلي إلى “تخيّل” وجود “مشتبهين، كما حصل في ذات اليوم – الخميس – في القطار الإسرائيلي في حيفا، حيث اشتبهت جنديتان بوجود فلسطيني يحمل سكيناً وصرختا : “مخرب”، ليطلق أحد جنود الاحتلال النّار في الهواء، ويتبين بعدها أن لا وجود لأي شخص فلسطيني واحد على متن القطار.

وقد شهدت الآونة الأخيرة بعض الارتباك في وسائل الإعلام العبرية وفي إخباريات وتصريحات شرطة الاحتلال ، فبمجرد أن يحدث حدث ما، تسارع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى القول بأن هناك “أخبار عن عملية طعن” أو “العثور على مخرب”، ليتبين بعدها أن الأخبار غير صحيحة، أو أن الحدث جنائي إسرائيلي داخلي.

وعادة ما تستغل هذه الأحداث التي يتبين أنها مبنية على إخباريات غير دقيقة، تستغل لصالح تلميع ومدح أجهزة الأمن الإسرائيلي أمام المجتمع الإسرائيلي، وللإشارة إلى أن هذه الأحداث – حتى وإن لم تكن حقيقية – هي دليل على “انتباه واستعداد أجهزة الأمن للتصدي لأي هجوم”، حسب التعبير الإسرائيلي، مما يعني المزيد من الشّعور بالأمن لمدى المستوطنين، الشّعور الذي فقدوه كثيراً في الشهر الأخير.

نشر على العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s