“يهودا عتصيون” مخطط تفجير قبة الصخرة من جديد في الأقصى

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

في ربيع العام 1984 أعلن جهاز الشّاباك الإسرائيلي عن اعتقال أفراد ما تسمى “الحركة السّرية اليهودية”، وهي عصابة مستوطنين ينتمون إلى تيار الصّهيونية الدينية قاموا في ثمانينات القرن الماضي بسلسلة من الاعتداءات ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربيّة.

كان من ضمن الاعتداءات التي نفذها أعضاء تلك العصابة الارهابية محاولة اغتيال رؤوساء البلديات الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهم بسام الشكعة وكريم خلف وابراهيم الطويل، عن طريق تفخيخ سياراتهم، وكذلك اطلاق النار في حرم الكلية الإسلامية في الخليل، والذي أسفر عن ارتقاء 3 شهداء فلسطينيين وأكثر من 30 جريحاً، عدا عن إلقاء عبوات ناسفة في مسجدين وملعب في الخليل.

أما الاعتداء الأبرز والذي فشلت هذه الحركة الارهابية في تنفيذه، ولكنه كان على رأس أجندتها، فكان تفجير قبة الصخرة المشرفة. وكان من بين المتهمين الرئيسيين في ذلك الاعتداء المستوطن “يهودا عتصيون” (64 عاماً)، والذي كان أحد الناشطين الثلاثة البارزين في تأسيس الحركة السّرية اليهودية.

349اكتشفت الحركة في الليلة التي كانت تحاول فيها تفخيخ حافلات فلسطينية شرقيّ القدس، واعتقلت شرطة الاحتلال ما يزيد عن 20 مشتبهاً إسرائيلياً، من بنيهم عتصيون. في مثوله أمام المحكمة الإسرائيلية قال عتصيون مفتخراً بنيته استهداف المسجد الأقصى: “استغرق العمل ضد رؤوساء البلديات شهراً واحداً من حياتي. الأفكار، الاستعدادات، التأملات، والأفعال التي قمت بها من أجل الجبل “جبل الهيكل”، أخذ سنوات من عمري”.

في حينها اعتبر عتصيون أن استهداف المسجد الأقصى أمر ذو أولوية لدى الحركة السرية اليهودية، وبتعبير أعضائها فإن “الهدف الحقيقي لإقامة الحركة هو إزالة المساجد من على جبل الهيكل وتطهيره لأجل بناء الهيكل الثالث”. وبسبب عضويته ونشاطه في الحركة السرية اليهودية حكمت محكمة الاحتلال على “عتصيون” في العام 1984 بالسّجن 7 سنوات، و3 سنوات تحت وقف التنفيذ.

وقد عاد اسم عتصيون إلى الأخبار، بعد أن سمحت له شرطة الاحتلال في الخامس عشر من شهر ديسمبر الجاري باقتحام المسجد الأقصى، بعد أن منعته من ذلك لما يقارب 30 عاماً، لم تسمح له خلالها باقتحامه إلا مرة واحدة في العام 2003. وبحسب ما ورد في الاعلام الإسرائيلي، فإن “عتصيون” التقى أحد الضباط الكبار في شرطة الاحتلال الذي “أعطاه الإذن” باقتحام المسجد الأقصى بشرط الالتزام “بتعليمات الشرطة”، وذلك تزامناً مع قيام شرطة الاحتلال بابعاد الكثير من الفلسطينيين عن الأقصى وتخفيف التواجد العربي فيه.

ويعتبر عتصيون من الشخصيات الأساسية في تيار الصهيونية الدينية، وكان من أهم المساهمين في دعم النشاط الاسيتطاني في أراضي الضفة الغربية بعد احتلالها عام 1967، إذ شارك في العام 1975 في تأسيس مستوطنة “عوفرا” شمال شرقي رام الله، والمقامة على أراضي قريتي عين يبرود وسلواد، والتي كانت في حينه أول مستوطنة تقام شمالي الضفة الغربية، ومن أهم المستوطنات التي يدرس فيها مؤيدو التيار الصهيوني الديني، وما زال عتصيون يسكن فيها حتى اليوم.

ومنذ اطلاق سراحه وحتى اليوم لم يغب استهداف المسجد الأقصى عن مخيلته وعن جدول أعماله. فقد أقام عتصيون وترأس في سنوات التسعين جمعية استيطانية تعتبر إحدى الجمعيات الاستيطانية الأوائل في العمل على استهداف المسجد الأقصى وتدعى جمعية “حاي فيه كيام”، أي “حيّ وموجود”. وقد نشطت هذه الجمعية بحسب التعريف الموجود عنها على صفحات الانترنت في العمل من أجل ضمان “حق اليهود في الصّلاة في جبل الهيكل”، على حسب تعبيرها.

وكانت هذه الجمعية تقف بالمرصاد لأي نشاطات فلسطينية داخل المسجد الأقصى، فقد قامت في العام 1996 بالشّراكة مع جمعية “أمناء جبل الهيكل” بتقديم التماس لدى المحكمة الإسرائيلية العليا ضدّ كل من الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى، وضدّ الحكومة الإسرائيلية، والمستشار القضائي للحكومة، والشرطة الاسرائيلية، والوزير الإسرائيلي لشؤون الأديان، تطالب فيها بوقف أعمال الترميم والصّيانة داخل المصلى المرواني الذي كان قد افتتح حديثاً حينها.

وقد ادعت الجمعيتان في التماسهما للمحكمة بأن أعمل الترميم هذه تشكل “خرقاً للقانون الإسرائيلي المسمى قانون الحفاظ على الأماكن المقدسة”. وبحسب الجمعيتين، فإن ترميم وصيانة المصلى المرواني تهدف إلى تحويله مسجداً للمسلمين، وفي هذا ضرر “لمشاعر اليهود الدينية”، و”خطوة نحو طمس علاقة اليهود بجبل الهيكل”، بحسب تعبيرهما.

وقد قامت المحكمة الإسرائيلية العليا حينها بردّ الالتماس ولم تتدخل في أعمال الصيانة داخل المصلى المرواني، إلا أن جمعية “حاي فيه كيام” التي يقوم عليها “عتصيون” لم يهدأ لها بال، فعادت وطالبت بـ”حق وصول اليهود إلى داخل المصلى المرواني”، كما قدمت التماساً آخراً في العام 1997 ضدّ قيام الأوقاف الإسلامية بترميم وتبليط سطح المصلى المرواني.

وعلى صعيد آخر لم يهدأ عتصيون وجماعته فيما يخص مطالبهم باقتحام المسجد الأقصى، فقد قام في سنوات الانتفاضة الثانية برفقة عضو حزب الليكود موشيه فيجلين بالاعتصام أمام باب الأسباط قرب المسجد الأقصى محتجين على منع شرطة الاحتلال المستوطنين من اقتحامه، إذ كان هذا المنع سارياً حينها بعد اقتحام رئيس حكومة الاحتلال حينها اريئيل شارون المسجد الأقصى لمدة عامين على الأقل.

وفي ديسمبر من العام 2001 توجه هو و9 أعضاء آخرين من حركة “حاي فيه كيام” للاعتصام أمام مزرعة اريئيل شارون قرب مستوطنة سدروت في النقب الغربي، وذلك احتجاجا على اغلاق المسجد الاقصى بوجه المستوطنين منذ اندلاع الانتفاضة وقد منعت شرطة الاحتلال يومها – بتوجيه من الشباك – إقامة ذلك الاعتصام.

وبعد أن سمحت له شرطة الاحتلال منتصف الشهر الجاري باقتحام المسجد الأقصى لأول مرة منذ سنوات طويلة، قامت في الثاني والعشرين من ديسمبر باعتقاله من داخل المسجد لأنه “كان يرفع يديه إلى السماء”، في إشارة إلى محاولته الصلاة داخل المسجد. في ذلك اليوم، طلب منه أحد أفراد شرطة الاحتلال أن يرافقه إلى خارج المسجد، ولكنه رفض “لأن الشرطي لم يوضح له سبب تلك المرافقة” بحسب تصريحه للاعلام الإسرائيلي. في نهاية المطاف، وبعد عدم استجابته قام أربعة أفراد من شرطة الاحتلال بحمله من يديه ورجليه وإجباره على الخروج من المسجد واعتقاله.

في نهاية ذلك اليوم أفرج عن “عتصيون”، ومن ثم عقدت له محكمة في اليوم التّالي طالبت فيها شرطة الاحتلال ابعاده عن الأقصى لمدة 15 يوماً، وهو الطلب الذي وافقت عليه محكمة الصلح، إلا أن “عتصيون” رفض التوقيع على “أمر الإبعاد” معتبراً ذلك اعترافاً ضمنياً “بأنه مذنب”.  وعقب استئنافه على هذا القرار في المحكمة المركزية، أصدر قاضيها قراراً بإبطال “أمر الإبعاد” منتقداً تصرف شرطة الاحتلال ومعتبراً أنه “يمكن لليهود أن يرفعوا أياديهم إلى السماء داخل الأقصى”.

وقد سبق أن هاجم عتصيون الحاخامات الذين أطلقوا نداءً على شكل فتوى تمنع اليهود من دخول المسجد الأقصى وذلك في أعقاب اندلاع هبة القدس وارتفاع وتيرة عمليات الدهس والطعن ضدّ المستوطنين، متهماً إياهم أنهم يضعون بذلك أياديهم في أيدي “أعدائنا العرب ويحللوا دماءنا”. وقال عتصيون في مقال نشره في جريدة “ملحق السبت” الدينية في اكتوبر الماضي بأن وراء هذه الدعوة من قبل الحاخامات تقف الرغبة في “تشتيت اليهود من أرض إسرائيل وليس فقط من جبل الهيكل”.

ويقول عتصيون في ذات المقال بأن هؤلاء الحاخامات “صادقون في قولهم بأن بناء الهيكل لن يتم عبر اراقة الدماء والحروب، وأنه سيُبنى في أوج عملية نضوج داخلي، ونتيجة صراع طويل مع المعارضين (يقصد العرب)، ولكن هؤلاء الحاخامات يتلاعبون بالحقائق وبدلاً من توجيه الاتهامات للعرب يوجهونها لليهود الصاعدين إلى جبل الهيكل”.

ويحاول عتصيون الإيحاء بأنه “ينبذ العنف”، إذ تستضيفه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلي ليدين أعمال المستوطنين وخاصة مجموعة “تدفيع الثمن”، كما أنه أنهى مقاله بملاحظة تقول أنه لم يتطرق لمحاولته وخطته لتفجير قبة الصخرة، لأن ذلك ليس المكان لهذا الحديث، بحسبه. بالنسبة له، يجب أن يهدم الأقصى في يوم ما، ليحل محله الهيكل الثالث وصولاً إلى الخلاص للشعب اليهودي، ولكنه يرى أن ذلك سيأتي تدريجياً وبدون تفجير مقصود.

أما عن محاولته تفجير قبة الصخرة في الثمانينات، فقد كان جزء من هذه الخطة متأثراً بعملية السلام مع مصر وخطة الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، والتي رأي فيها عتصيون ومؤيدوه خطوة للوراء في مسيرة الصهيونية. وكان صاحب الفكرة الرئيس لتفجير قبة الصخرة الحاخام يشوعا بن شوشان، والذي أثر على عتصيون ودعاه إلى تبني الفكرة.

وفي مراجعة لكتابات إسرائيلية وتوثيقية لنشاط “الحركة السّرية اليهودية”، فقد عرّف عتصيون مهمة تفجير قبة الصخرة بالقول بأنها “عملية تطهير جبل الهيكل من سيطرة الإسلام من أجل جلب الخلاص الشامل وإقامة مملكة إسرائيل الآمنة”. وكان عتصيون يؤمن بأنه في بداية عمل الحركة السرية يجب عدم استهداف رؤوساء البلديات من قبل الأعضاء البارزين للحركة، وإنما يجب البجث عن آخرين يقومون بهذه المهمة عنهم، خوفاً من انكشاف أمرهم وبالتالي تعطيل المهمة الأهم برأيه تفجير قبة الصخرة. في نهاية الأمر اقتنع عتصيون أنه من الصعب الاعتماد على آخرين، ولكنه على الرغم من مشاركته في التخطيط محاولة اغتيال رؤوساء البلديات إلا أنه لم يأخذ دوراً فعالاً فيها، إيماناً منه بأنه يجب أن لا يخاطر بالمشاركة الفعالة في هذه العملية حتى يكون مشرفاً على “عملية تطهير جبل الهيكل” التي تفوق الاغتيال بمرات أهمية.

وحسب الباحث الإسرائيلي نداف شرجاي فإن عتصيون كان يقلل من أي ردة فعل قد تنتج بعد تفجير قبة الصخرة، ويقول بأنه كل ما سيصدر عن الجهات العربية والدولية سيبقى في إطار التصريحات فقط، وذكر مثالا على ذلك الحريق الذي أشعله المستوطن الاسترالي في الجامع القبلي عام 1968، قائلاً: “عندها أصيب الكثيرون بالهستيريا وكانوا متأكدين من أنه كل الدول العربية ستخرج للحرب علينا، ولكن كما نعرف لم يحدث أي جهاد ضدّنا”.

مخطط تفجير قبة الصخرة الذي لم ينفذ واعتقل عتصيون ورفاقه قبل تنفيذه أعد له على مراحل، فقد قام عتصيون على سبيل المثال بزيارة وحدة الآثار في الجامعة العبرية واستعان بدراسة فيها عن هندسة قبة الصخرة وبنائها، من أجل معرفة كمية المتفجرات اللازمة لإيقاع القبة أرضاً. وفي إحدى المرات، اكتشف أحد حراس الأوقاف اثنين من عصابة عتصيون كانوا يحاولون تسلق السور الشرقي للمسجد الأقصى في ساعات الليل المتأخرة في جولة استكشافية للمكان، إلا أنهم استطاعوا الهرب برفقة عتصيون الذي كان ينتظرهم في سيارته قبل أن تصلهم شرطة الاحتلال.

فيما بعد، أفرج عن الكثير من أعضاء الحركة السّرية بعفو من قبل رئيس دولة الاحتلال، وخففت أحكام بعضهم، إلا أن عتصيون كان الوحيد الذي رفض أن يطلب العفو من رئيس الدولة، لأنه لم يكن مستعداً للتراجع عن أفكاره، أو أن يعبر عن ندمه.

نشر في جريدة العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s