في نفس اللحظة أبصرت حفيدتي النّور وفقده ابني علاء

هنادي قواسمي – القدس المحتلة

لم يكن عصر السّبت 17 تشرين الأول 2015 يومًا عاديًا لدى عائلة صلاح في حي أبو ريالة في العيسوية. في ذلك اليوم، داهمت آلام المخاض هديل صلاح، فاتصلت بأمّها سناء وطلبت منها أن تلحق بها إلى مستشفى “هداسا” العيسوية حيث ستضع مولودها الثّاني. علاء (18 عاماً ونصف) شقيق هديل اعتاد أن يقضي يوم السّبت في البيت باعتباره يوم عطلته، كان في تلك اللحظة نائماً. أيقظته أمّه ليرافقها إلى المستشفى الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن بيتهم. لكنها لم تشهد لا هي ولا علاء ولادة الحفيدة الجديدة.

“في نفس اللحظة التي ولدت فيها ابنتي، فقد ابني علاء عينه.. في نفس اللحظة بالضبط، يوم يؤرخ في عائلتنا”، تقول سناء في حديثها مع موقع “قدسكم”. في ذلك اليوم كانت المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي على أشدّها في مدينة القدس، وبالأخصّ في بلدة العيسوية، التّي تجد على جدرانها الكثير من الشّعارات الوطنية، حتى أضحت تسمى بين أهلها “غزة الصغرى” لشدة المواجهات التي تقع فيها وتكرارها.

خرجت سناء مع علاء من حي أبو ريالة باتجاه الشّارع الرئيس في العيسوية. قنابل صوت، رصاص مطاطي، رصاص حي من جهة، وحجارة وزجاجات حارقة من جهة أخرى، “ولعت كثير”، هكذا وصف سناء الوضع في تلك اللحظة.

Ala'a Salah

صورة للشاب علاء صلاح قبيل إصابته

تحت تأثير الغاز الكثيف سارعت سناء إلى إحدى الأزقة لتحتمي، بينما اتجه ابنها علاء إلى جهة أخرى وتفرقت خطاهما. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى سمعت سناء الشباب يصرخون “مصاب.. مصاب”، لتعلم بعدها أن علاء أصيب برصاصة مطاطية في عينه اليسرى.

“صرت مش عارفة على أي مستشفى أروح؟ عند ابني ولا عند بنتي”، تقول سناء. تركت سناء ابنتها للمرة الثانية لتمرّ بتجربة الولادة بدون مرافقة أمّها، إذ أنها لم تستطع مرافقتها في تجربة الولادة الأولى في العام 2014. حينها كانت المواجهات مشتعلة في بلدة العيسوية كذلك، في ظلّ اشتداد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولم تستطع الوصول إلى المشفى في الوقت المناسب.

توجهت سناء برفقة أختها إلى أحد المشافي الفلسطينية في القدس وهي تحمل أملاً أن تكون إصابة ابنها طفيفة، تقول لأختها “ادعي تكون اصابته بسيطة ادعي”، وتقول لنفسها: “يمكن تصاوب في منطقة قريبة من العين.. يمكن بعيدة عن عينه.. يمكن”. ما إن وصلت سناء المشفى حتى علمت بأن ابنها علاء قد فقد عينه اليسرى تماماً، ورأته في حالة نزيف مستمرة.

مرّ علاء بعدة عمليات لعينه، وتنقل من مشفى إلى آخر، في وقت كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تلاحق المصابين والجرحى الفلسطينيين في المشافي وتقتحم غرفهم لاعتقالهم من داخلها. علمت عائلة علاء أن شرطة الاحتلال في القدس تبحث عنه، وأنها اقتحمت أحد المشافي لاعتقاله، وفيما بعد اقتحمت منزله.

في إحدى هذه الاقتحامات، سأل ضابط الاحتلال سناء “أين ابنك”، وعندما أجابت أنها لا تعرف، وأصرت على عدم معرفتها بمكانه، توعدها بأن “يقلع عينه الثانية”. عدا عن ذلك تلقت العائلة عشرات الاتصالات من أجل تسليم ابنها علاء. في إحدى المكالمات توّعد الضابط باعتقال الأم والأخ الصغير في حال لم يسلم علاء نفسه. كما اقتحمت شرطة الاحتلال منازل الجيران لتسأل عنه وتضغط عليهم للإدلاء بأية معلومة.

نجح علاء بتجنب اعتقال الاحتلال له على مدار شهرين ونصف تقريبًا حتى يستكمل ما يستطيع من علاج عينه المصابة، إلا أن قوات الاحتلال كان أسرع منه، إذ داهمت منزله في الثاني من كانون الثاني 2016 واعتقلته. تقول سناء: “بعد اعتقاله، أدخلنا إلى المسكوبية كيسًا يحوي كلّ الأدوية التي يحتاجها لعلاج عينه، لنكتشف فيما بعد أنهم لم يعطوه أي شيء من هذا الكيس، وأنه بقي طوال فترة التحقيق – شهراً كاملاً – بدون أي دواء”.

سناء صلاح تنظر إلى صورة لابنها علاء. تصوير: هنادي قواسمي

تاريخ من الاعتقالات والحبس المنزلي

وتذكر سناء أن هذا ليس الاعتقال الأول لابنها، “حضرت محاكم وراء محاكم لقلت بكفي”، فقد سبق اعتقاله في كانون الثاني من العام 2014 بالقرب من باب العامود. اتهم حينها بإلقاء الحجارة تجاه شرطة الاحتلال، وبقي في السّجن 22 يوماً، ومن ثم أفرج عنه للحبس المنزلي. وكان من شروط الحبس المنزلي أن يكفله 6 أشخاص، ووصل إجمالي الكفالة في حال إخلاله بشروط الحبس المنزلي إلى 36 ألف شيكل.

وقد سمح لعلاء بالخروج من الحبس المنزلي إلى المدرسة بعد أربعة أشهر، ولكن بشرط أن يعود إلى المنزل قبل الساعة الرابعة عصراً. تقول أمّه: “اشترطوا في البداية أن أرافقه يوميًا إلى المدرسة، ورفضت ذلك رفضاً قاطعاً، فأنا مريضة ولا توجد معي سيارة، ووالده متوفي منذ فترة”. في نهاية المطاف، سمحت له بالذهاب لوحده إلى المدرسة بشرطة أن يركب في النقل العمومي من منطقة “أرض السمار”، وأن لا يصل إلى منطقة باب العامود أو البلدة القديمة بتاتاً.

تضيف سناء بأنه في 8 من كانون الأول لعام 2015 أبلغها المحامي أن قضية ابنها انتهت، وقد أغلق الملف ضدّه، بعد أن قضى في الحبس المنزلي ما يقارب 10 شهور. إلا أن القصة لم تنتهِ، ففي 18 كانون الأول، بعد عشرة أيام فقط من انتهاء كابوس الاعتقال الأول، اقتحمت شرطة الاحتلال المنزل واعتقلت علاء للمرة الثانية. كانت التهمة حينها أنه تم تصويره وهو يلقي حجارة في العيسوية.

بعد شهرين خرج علاء حرّاً من جديد. بحماسة بالغة وفخر واضح تعرض سناء فيديو للاحتفال الذي نظمه الأصدقاء وأبناء الحارة في يوم الافراج عنه، وتقول: “كانت حفلة وحفلة، كثير بحبوه اصحابه”. أما اليوم “الحارة فاضية، كل الشباب في الزنازين، إذا دخل الجيش فش حدا يوقف لهم”.

تخبرنا سناء عن أن علاء وقته مباشرة بعد الخروج من السّجن في الاعتقال الثاني، وأنهى تعليمه في المدرسة بتخصص كهربائي سيارات. ساعدته إدارة مدرسته في تعويض ما فاته بسبب السّجن، ومن ثمّ تخرج في أيار 2015. “اشتغل مع زوج أخته من شهر 6 وحتى اعتقاله في شهر 10”.

وفي 17 من تشرين الأول عاد إلى السّجن مرة أخرى، للمرة الثالثة. تقول سناء: “هذا اليوم ما بتنسى.. مش بس راحت عين علاء، كمان هذا تاريخ عيد زواجي.. بطلت أحبه هذا التاريخ”. وتوّجه نيابة الاحتلال لعلاء في هذا الاعتقال تهمًا تتعلق بإلقاء الحجارة والأكواع والزجاجات الحارقة.

بينما تشرح سناء عن حالة ابنها، يشير صديقه ثائر محيسن بأن أفراد شرطة الاحتلال تعمدوا خلال التّحقيق مع ضربه على عينه المصابة، وقد وقف علاء في إحدى هذه المحاكم وأخبر القاضي بذلك. تضيف سناء بالقول أن عينه تحتاج إلى الكثير من العلاج، ومنه أن يقوم بتعقيمها يوميًا، لكن المتوفر لديه اليوم في السّجن هو فقط قطرة للعين وبضع الأدوية. عدا عن ذلك فإنه يحتاج إلى زراعة “خرزة” أو عين اصطناعية مكان العين التي فقدها.

وتقلق سناء من أن تماطل إدارة السّجون في تقديم العلاج اللازم له، وتذكر أنه أخبرها في إحدى الزيارات أنه تم نقله إلى إحدى المشافي الإسرائيلي لإجراء فحوصات، ولكن انتهى الأمر بقطع المسافة فقط، أي بالوصول إلى المشفى، بدون تلقي أي خدمة طبية، ومن ثم تمت إعادته إلى السجن.

وفي هذا الشّأن يشير أمجد أبوعصب، رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين، بأنه جرت العادة لدى إدارة السّجون أن تتبع اجراءات بيروقراطية طويلة ومعقدة فيما يخصّ تقديم العلاج الطّبي للأسرى، وأن زيارة طبيب خاصّ تتطلب انتظارًا طويلًا. ويظهر من حديث أبوعصب أن موضوع العلاج الطّبي للأسرى ملح في الفترة الأخيرة ويحتاج إلى جهد قانونيّ وطبيّ مشترك، خاصّة بعد الارتفاع المتزايد في أعداد من اعتقلوا بعد إصابتهم بالرصاص. أما فيما يخصّ حالة علاء الطّبية، أشار أبوعصب بأن هناك محامية طلبت مؤخرًا ملفه الطّبي من إدارة السّجون وأنها تسير في إجراءات لطلب زيارة طبيب خاصّ له.

حتّى ذلك الحين، تتسلح سناء بالصّبر، وتقول “السجن للرجال”، ويضيف صديقه ثائر: “ما بنخاف عليه.. علاء جدع”.

نشر على موقع قدسكم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s