مقدسيون في الجامعات الإسرائيلية.. ترويج غير بريء

هنادي قواسمي

قبل ما يقارب 15 عاماً لم يكن من المعتاد رؤية الكثير من المقدسيين يدرسون في الجامعات الإسرائيلية. أما اليوم، فقد أصبح الأمر معتاداً وشائعاً أكثر. بحسب معطيات حصلت عليها “قدسكم”، سجّل في الجامعة العبرية للعام الدراسيّ 2015\2016 أكثر من 150 طالباً مقدسياً. أما في العام 2009 فقد كان عدد الطلاب المقدسيين فيها 60 طالباً فقط، أي أن ارتفاعاً بنسبة 150% سجل خلال 6 سنوات.

وبعيداً عن الأرقام، يمكن ملاحظة ازدياد التّوجه نحو الجامعات الإسرائيلية بالنظر إلى الأعداد المتزايدة من المعاهد الفلسطينية التي تعرض دورات في اللغة العبرية ودورات تحضيرية لامتحان القبول للجامعات الإسرائيلية “البسيخومتري”، عدا عن تدريسها لامتحانات الثانوية الإسرائيلية “البجروت”.

وما إن تُعلَن نتائج الثانوية العامة في فلسطين، أو يقترب العام الدراسي الجامعي حتى تملأ اعلانات هذه المعاهد الجرائد المحلية والشّوارع الرئيسة في القدس.

من جهة ثانية، تنشط هذه المعاهد في عقد شراكات مع عدد من المدارس الفلسطينية، وبالأخص المدارس الخاصّة، لتقوم بتمرير دورات تدريبية لطلاب الثانوي تحضّرهم لامتحان القبول في الجامعات الإسرائيلية. وتشمل بعض هذه الدورات جولات في الجامعة العبرية في القدس للتعرف على التخصصات فيها وطرق التسجيل.

لماذا هذا الارتفاع في الاقبال على الجامعات الإسرائيلية؟

كان الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية بشكل عام قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967،  يتوجهون للدراسة في الدول العربية أو الأجنبية. فيما بعد، تطورت الجامعات الفلسطينية وافتتحت تخصصات مختلفة فيها، وكغيرهم من الفلسطينيين في الضّفة الغربية بدأ طلاب القدس بارتياد هذه الجامعات.

إلا أن طلاب القدس الذين يدرسون في جامعات الضّفة الغربية، سيعودون فور تخرجهم إلى واقع مختلف، فالقوانين التي تسري في القدس هي قوانين العمل الإسرائيلية، والتي لا تعترف بالضرورة بمعايير الجامعات الفلسطينية، أو لا تعترف ببعض الشهادات الجامعية الفلسطينية أصلاً.

يضع هذا الأمر الخريجين خاصة الأطباء والمحامين  أمام مشوار عناء طويل ومعقد، يبدأ بتعلم اللغة العبرية، واجتياز عدد من الامتحانات للحصول على رخصة مزاولة المهنة، بل في بعض الأحيان يضطر هؤلاء الخريجين للعودة إلى صفوف الجامعة لإضافات مساقات جديدة إلى شهادتهم، وفق متطلبات الوزارات الإسرائيلية المعنية.

قصص الطلاب في رحلة الحصول على عمل

بعد رحلة جدّ وسنوات طويلة أنهت عبير (29 عاماً) درجتي البكالوريوس والماجتسير في علم النفس من جامعة بيرزيت، وبدأت بالبحث عن عمل كمرشدة نفسية في إحدى مدارس القدس. لأجل توظيفها كان لا بدّ أن تحصل بداية على اعتراف إسرائيلي بشهادتها الفلسطينية.

وبعد الاطلاع على تفاصيل تلك الشّهادة والمساقات الجامعية التي درستها عبير، لم تعترف وزارة الصّحة الإسرائيلية ببعضها، واضطرتها هي ومجموعة من الخريجين إلى العودة مرة أخرى لصفوف الجامعة لاستبدال تلك المساقات بمساقات أخرى، ومن ثم اعترفت بشهاداتهم، وهو الأمر الذي كلّفها عاماً آخر من الانتظار والكثير من الاجراءات البيروقراطية والأوراق الرسمية.

ولجامعة القدس قصة معروفة في هذا المجال، فقد عانى الكثير من خريجيها من أبناء مدينة القدس من عدم اعتراف الجهات الإسرائيلية المعنية بشهاداتهم وبالتّالي عدم نجاحهم في الحصول على وظائف مناسبة، وبالأخص الأطباء والممرضين والمحامين والمرشدين الاجتماعيين.

وقد كان من المألوف في السّنوات الأخيرة أن تتوجه أعداد متفرقة من طلاب وخريجي الجامعة المقدسيين بتقديم التماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالاعتراف بشهاداتهم، وكان آخر هذه الالتماسات قضية 15 خريج طب حكمت المحكمة لصالحهم وأجبرت وزارة الصّحة الإسرائيلية على قبولهم لتقديم امتحان مزاولة المهنة.

أمام هذا الواقع المعقد، بدأ البعض من الطلاب في القدس يفكرون بالجدوى العمليّة للدراسة في جامعات فلسطينية. فمن منظور الرغبة في الحصول بسهولة على عمل بعد التخرج وبدون تعقيدات بيروقراطية قد تستغرق سنوات، يرى البعض أن الالتحاق بالجامعات أو الكليات الإسرائيلية سيختصر عليهم الكثير من الوقت والتعقيدات.

أروى (21 عاماً) واحدة من أولئك العشرات الذين التحقوا بالجامعات الإسرائيلية انطلاقاً من دافع الرغبة في تأمين فرصة عمل مناسبة بأقل تكاليف ومتطلبات. تشير أروى التي تدرس تخصص “علاج النطق والسمع” في حديثها لـ “قدسكم” إلى أنّها حصلت على قبول للدراسة في جامعة بيرزيت، وكذلك في كلية هداسا، ولكن الرغبة في تأمين مستقبلها الوظيفي سريعاً رجحت رأيها للالتحاق بكلية هداسا.

تقول أروى: “العمل في المراكز الطبية أو المستشفيات في القدس يعني أنك يجب أن تحصل على رخصة إسرائيلية، إذا درست في جامعة فلسطينية فإن إجراءات الحصول على هذه الرخصة ستكون معقدة وطويلة ومتعبة مقاربة بمن يدرس في جامعة إسرائيلية”.

بالإضافة إلى التعقيدات في سبيل الحصول على عمل، فإن للواقع السّياسي لمدينة القدس اشتراطاته. فبعد اندلاع الانتفاضة الثانية، استشرست السياسات الإسرائيلية في عزل المدينة عن باقي الضّفة الغربية.

في أبسط الأمثلة، أصبح مجرد الوصول إلى مدينة رام الله، التي لا تبعد سوى 18 كم عن القدس، أمراً سيء الصّيت لدى المقدسيين، مرتبطاً بساعات الانتظار الطويلة والذليلة على حاجز قلنديا. محاصرة المدينة بعشرات الحواجز العسكرية وبناء الجدار الفاصل أبقى الفلسطينيين في القدس معزولين عن محيطهم الأكبر في الضّفة الغربية، ودفعهم للبحث عن مقومات استمرار وجودهم داخل مدينتهم المحاصرة، وليس خارجها.

المبنى الرئيس للجامعة العبرية المقام على أراضي العيسوية

تشجيع غير بريء من قبل سلطات الاحتلال

لا يمكن النظر إلى موضوع الدراسة في الجامعات الإسرائيلية بالنسبة للمقدسيين باعتباره فقط خياراً براغماتياً عملياً مدفوعاً بالرغبة في الحصول على وظائف مناسبة فحسب. إذ أن الجامعات الإسرائيلية ومجلس التعليم العالي الإسرائيلية بالإضافة إلى بلدية الاحتلال في القدس، ووزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، جميعها تدفع بثقلها من أجل تشجيع المقدسيين على ذلك أكثر فأكثر، ولها بطبيعة الحال في ذلك أهدافها التي تخدم مصالحها.

وقد رصدت “قدسكم”، ثلاثة برامج مختلفة ذات علاقة بربط الطالب الفلسطيني في القدس بالتعليم العالي الإسرائيلي وبالأخص الجامعة العبرية، هي برامج “صدارة”، و”جامعة”، و”رواد”. ويتبع كلُّ برنامجٍ لجهة إسرائيلية مختلفة، وتختلف نطاقات عمل كلّ برنامج، فبعضها يقدم إرشاداً أكاديمياً لطلاب الثانوية، وبعضها يقدم لهم دعماً أكاديمياً ومادياً عند التحاقهم بالجامعة العبرية.

وعلى الرغم من بعض ما يبدو من الملامح الإيجابية ظاهرياً لبعض هذه البرامج خاصّةً التي تشرح لطلاب الثانوية عن التّخصصات الجامعية، إلا أنه لا يمكن إغفال أن هذه البرامج  – مدنية الطابع –  هي ثمرة خطة إسرائيلية موّسعة ذات دوافع سياسية وأمنية.

وإحدى ثمرات هذه الخطة أن أعلن المجلس العالي الإسرائيلي للتعليم في أيار 2015 أنه سيفتتح كلية تحضيرية مخصصة فقط للفلسطينيين من القدس، وذلك في الجامعة العبرية، ستستقطب في سنتها الأولى 50 طالباً وطالبة، ومن ثم تتوسع تدريجياً. وسيتعلم الطلاب في هذه الكلية اللغة العبرية بالإضافة إلى سنة تحضيرية تمكنهم من دخول الجامعة. وستخصص منحاً مالية لمن يحصل على معدلات فوق الـ80 في امتحان الثانوية.

ومما يعزز الشكوك حول هذا التشجيع أن افتتاح هذه الكلية يندرج ضمن خطّة شاملة أقرّتها حكومة الاحتلال في حزيران 2014 بهدف ما أسمته “تعميق سيطرتها على شرقي القدس”، ذلك بعد أن شعرت بأنها تفقد السيطرة عليها وخاصة على الصعيد الأمني. وتشمل هذه الخطّة تخصيص 2 مليون شيكل للمجلس الإسرائيلي للتعليم العاليّ لتُصرف على بناء هذه الكلية.

ويتضح من ذلك أن تخصيص ميزانيات لاستقطاب المقدسيين إلى الجامعات الإسرائيلية منبعه في الأساس قلق أمني لدى سلطات الاحتلال. أي أن سلطات الاحتلال ترى في تحسين الظروف المعيشية للمقدسيين وسيلة لتحييدهم سياسياً ومحاولة لاقناعهم بعدم “جدوى مواجهة الاحتلال”.

وفي هذا السّياق، تذكر أروى أن سبباً آخر شجعها على الالتحاق بكلية هداسا فتقول “على الرغم من أن القسط التعليمي في بيرزيت متقارب جدا مع كلية هداسا، إلا أن فرصتي في الحصول على منحة في كلية هداسا كانت أعلى بكثير”.

ماذا عن الوعي الوطني؟

يخشى الفلسطينيون في القدس من “شعرة معاوية” التي تفصل بين أسبابهم العملية لدخول الجامعات الإسرائيلية ورغبتهم في تأمين فرصة عمل جيدة، وبين الانزلاق إلى وهم “التعايش” والانخراط في مجتمع الاحتلال الإسرائيلي، أو الافتتان بهذا المجتمع، خاصة في ظلّ وجود خطة إسرائيلية ممنهجة وراء هذا الإقبال.

سألنا أروى عن ذلك فذكرت أنها كثيراً ما تفقتد الجوّ العربي الفلسطيني في كليتها، وأنها في كثير من اللحظات تعيش صراعاً داخلياً، كأن ترى أحد زملائها الإسرائيليين على مقاعد الدراسة في زيّ جيش الاحتلال، وقد عاد من خدمته الاحتياطية. وتستذكر أروى أيام العدوان الأخير على قطاع غزة فتقول: “كانت الأوضاع صعبة جداً داخل الكلية، كانت هناك رقابة على الطلاب العرب، وقد طردت إحدى الطالبات بسبب منشور لها على الفيسبوك تفخر فيه بانجازات المقاومة”.

ماذا عن غيرك وعن وعيهم؟ تقول أروى: “كطبيعة أي مجتمع، هناك من يصمد، وهناك من يتأثر. برأيي يعتمد ذك على التربية والبيئة التي أتوا منها”. أما محمود فقد قال في حديث مع “قدسكم” أنه منذ التحاقه بالجامعة العبرية بدأ يجبر نفسه على قراءات منتظمة في التّاريخ الفلسطيني من أجل مجابهة ما يسمعه من أفكار في المحاضرات الجامعيّة، ومناقشة بعض زملائه الفلسطينيين ممن قد تغرهم بعض الروايات الإسرائيلية.

وبينما لا يمارس أي نشاط طلابي في كلية هداسا، تنشط في الجامعة العبرية حراكات طلابية فلسطينية عديدة. وتقوم هذه الحراكات بفعاليات وطنية وسياسية عديدة، وكانت لها مشاركات فعالة في تنظيم مظاهرات دعماً لإضرابات الأسرى، أو رفضاً للعدوان على غزة.

نشر على موقع قدسكم بتاريخ 13 نيسان 2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s