انقذوا مدارس القدس قبل فوات الأوان!

مقال: هنادي قواسمي

14 أيلول 2016

يعيش قطاع التعليم في مدينة القدس المحتلة أوضاعًا صعبة، بدءًا من نقص المباني المناسبة، وليس انتهاءً بموضوع المنهاج الإسرائيلي ومحاولات الأسرلة. إلا أن من أخطر ما حدث في العقدين الأخيرين في هذا القطاع، أن ظهرت أعداد متزايدة – ومخيفة- من المدارس التي يسميها الناس – تجاوزًا- “المدارس الخاصة”، والتي ما إن تفتح أبوابها حتى تسارع إلى تقديم أوراقها للحصول على اعتراف وتمويل من سلطات الاحتلال الإسرائيلي. هذه الظاهرة قد تأتي على ما تبقى لنا استقلالية وعصامية لنا في هذه البلد المنكوبة.

بدأ هذا السيل من الحج إلى مكاتب وزارات الاحتلال، بعدد من المدارس “الخاصة” العريقة ذات التاريخ الطويل في مدينة القدس (وربما هي نفسها أقل مدارس احتياجا لهكذا تمويل)، وكذلك ببعض المدارس المستجدة على القطاع هنا وهناك. فيما بعد أصبح بعض المهتمين بقطاع التعليم وبعض من يبحثون عن أرباح مادية، وخاصة في ظلّ اكتظاظ مدارس القدس والحاجة الماسة لمدارس إضافية، أصبح هؤلاء فجأة “أصحاب مدارس”.

التقطوا سريعًا أن هناك فرصة “استثمارية”، فاستأجروا مبانٍ سكنية، قاموا بتسجيلها في بلدية الاحتلال ووزارة التربية والتعليم، وحصلوا على اعتراف وعلى تمويل، وهكذا أصبح لدينا نوع جديد من “المدارس الخاصة”. ولكنها ليست “مدارس خاصة” بالمعنى المتعارف عليه، ولم يعد مصدر تمويلها مقتصرًا على جيوب الآباء وعلى أموال المانحين والمتبرعين فقط. اسمها كما هو معتمد لدى الاحتلال “المدارس المعترف بها غير الرسمية”. في العام 2006 كان عددها 36 مدرسة، أما اليوم فيشارف عددها على المئة مدرسة، ويدرس فيها ما يقارب 40 ألف طالب فلسطيني في القدس، وهو ما يشكل نسبة 40% من مجمل طلاب المدينة.

ماذا يعني ذلك؟ عدا عن الدلالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة، ومنها تحوّل قطاع التعليم إلى قطاع سمسرة، فإن ذلك يعني أن القطاع الذي حافظ على استقلاليته لفترات طويلة، وكان المثل يضرب به، أصبح اليوم في قبضة بلدية الاحتلال. يدرس في مدارس بلدية الاحتلال تقريبا 40% من طلاب القدس، وإذا جمعناهم إلى طلاب هذه المدارس، فهذا يعني أن 80% من طلابنا يدرسون في مدارس هي “في قبضة البلدية”.

لا توجد اليوم في مدينة القدس مدارس لا تتقاضى تمويًلا من سلطات الاحتلال، سوى مدارس الأوقاف، ومدارس الأونروا، وبعض مدارس قليلة جدا تعد على أصابع اليدين. وحتى في هذه المدارس القليلة جدًا، فإن يد واحدة تكفي لعدّ تلك المدارس التي ترفض التمويل لأسباب مبدئية، بينما على اليد الثانية يمكننا أن نعد المدارس التي لم تحصل على تمويل ليس لالتزام بمبادىء وثبات على موقف، وإنما لأنها لم تلائم الشروط المفروضة من بلدية الاحتلال (مثل شهادات المعلمين، ومسلتزمات الأمان في المباني، إلخ..).

لا مال بدون شروط

من أكثر الأمور بديهية أن نقول أن من يملك المال يملك الرأي كذلك، ومن يصرف عليك يمكنه أن يفرض عليك ما يشاء. فمن يقدم طلبًا للحصول على الاعتراف من بلدية الاحتلال، وبالتالي للحصول على تمويل للمدرسة، يقبل في بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين بأن “يطبق القانون الإسرائيلي” على العلاقة بينهما. ومهما كان ذلك فضفاضًا، فإنه يعني في أبسط الحالات أن حالة من “السيادة” أو “السيطرة” إن صح التعبير امتدت لتضع يدها على هذه المدارس، بعد أن كانت إلى فترة طويلة مستقلة الرأي، ولا نبالغ إن قلنا أن بعضها في الغرف المغلقة كانت ترفض حتى سيطرة وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في رام الله – ولو عن بعد.

وقد كانت هذه “السيطرة” ضعيفة في بدء هذه الظاهرة المسماة “المدارس المعترف بها غير الرسمية”، إلا أن عودها بدأ يشتد شيئًا فشيئًا، وأظن أنه من البديهي الاعتقاد أن تشديد القبضة عليها هو السياسة التي تسعى سلطات الاحتلال لتطبيقها في الأعوام القادمة، خاصة أن هذه السياسة تأتي ضمن خطة أكبر من أجل تشديد القبضة على القدس أمنيًا وسياسًيًا، عقب هبة أبو خضير والهبة الأخيرة.

في العام 2003 أشار القسم المسؤول عن مراقبة عمل بلدية الاحتلال (مراقب البلدية) في تقرير تقييمي لعمل البلدية إلى أنه “لا يوجد بالفعل رقابة حقيقية تربوية وغيرها على المدارس المعترف بها غير الرسمية، وأن هذا يعني ضرر يمس سيطرة البلدية على الجهاز التعليمي شرقي المدينة”.

وفي 11 أيار 2010، في اجتماع لجنة التعليم والرياضة، في الكنيست، وبحضور رئيس بلدية الاحتلال نير بركات، وهو اجتماع عقد “على شرف” ما يسمى “يوم توحيد القدس”، تطرق المجتمعون إلى موضوع الرقابة على هذه المدارس غير الرسمية المعترف بها مرة أخرى. وخلال الاجتماع أبدى عضو الكنيست آنذاك “مناحم اليعزر موزس” انزعاجه من أن “ثلث الطلاب يدرسون في مدارس غير رسمية معترف بها، يحظون بكامل التمويل، أكثر من اليهود الحريديم، ولكن لا توجد عليهم أي رقابة”. ويقصد بالرقابة هنا الرقابة على المناهج بالذات.

وبناء على تلك الاعتراضات وغيرها، نشرت وحدة البحث والمعلومات في الكنيست الإسرائيلي في حزيران 2010 بحثًا مطولًا عن موضوع المنهاج الفلسطيني بالذات. ذكر في هذا التقرير بأنه بناء على اعتراضات كثيرة من أعضاء الكنيست، تم التوجه إلى وزارة التربية والتعليم لسؤالها عن السياسة التي تتبعها في فرض الرقابة على المدارس المعترف بها غير الرسمية، وعلى وجه الخصوص في موضوع المناهج. ويذكر نفس التقرير أن أعضاء الكنيست هؤلاء صدموا لمعرفة أن “دولتهم” تصرف ما يقارب 77 مليون شيكل سنويًا على تلك المدارس، ولكنها في ذات الوقت لا تمارس عليها أي رقابة.

على الفور رأينا تداعيات هذه الشكاوى والاعتراضات، فمع بداية العام الدراسي 2011\2012 شهدنا كيف حاولت بلدية الاحتلال أن تفرض على هذه المدارس المعترف بها – الخاصة سابقا- المنهاج الفلسطيني المحرّف، وهو الأمر الذي قوبل حينها بإضراب واسع في مدينة القدس. (المنهاج المحرف هو نفس المنهاج الفلسطيني تقوم بلدية الاحتلال باستئجار خدمات شركة خاصة، وتقوم الاخيرة بدورها بحذف ما تراه من “محتوى تحريضي”، وتعيد طباعة الكتب مرة أخرى).

فيما بعد، حرصت بلدية الاحتلال على توزيع الكتب المحرفة على كل مدارسها، وضاعفت من عدد الموظفين المسؤولين عن مراقبة المدارس المعترف بها غير الرسمية، والذين يقومون بزيارات دورية لها بهدف التأكد من تطبيق سياسة البلدية. يذكر أن البلدية ما زالت حتى اليوم تضغط وترسل رسائل كل سنة دراسية تؤكد فيها على ضرورة تدريس المنهاج المحرف في المدارس المعترف بها غير الرسمية، ولطالما ردد أعضاء في مجلس البلدية وفي الكنيست مقولات كمثل: “كيف نسمح بتدريس منهاج يحرض علينا في مدارس نمولها نحن”. ولم تجد هذه المطالبات والضغوط الكثير من الاستجابة من قبل هذه المدارس.. وذلك حتى الآن.

ماذا يحصل اليوم؟

يوم الخميس الماضي (8 أيلول 2016)، عقدت بلدية الاحتلال يومًا دراسيًا لمدراء مدارس شرقي القدس لمناقشة الخطة الاستراتيجية لقطاع التعليم لهذا العام. ليس هذا المؤتمر جديدًا، ففي كل عام يُدعى المدراء لنفس اليوم الدراسي.

لكن الجديد هذا العام، والمقلق والخطير كذلك، أن الدعوة لم توّجه فقط لمدارس البلدية – التابعة كليًا لبلدية الاحتلال – وإنما وّجهت الدعوة كذلك لكل من يتلقى تمويلًا من بلدية الاحتلال ووزارة التربية والتعليم. أي دُعي للمرة الأولى لهذه المؤتمر مدراء المدارس “المعترف بها غير الرسمية”.

وفي افتتاحية هذا المؤتمر أو اليوم الدراسي، أراد نير بركات، رئيس بلدية الاحتلال، أن يلفت النظر إلى هذه المدارس. لقد اعتلى بركات المنصة ليتحدث، وبعد التبريكات والتسليمات التقليدية، كان أول ما نطق به: “من هنا معنا من المدارس الرسمية؟ ومن هنا معنا من المدارس المعترف بها غير الرسمية؟”.

كان عدد من رفعوا أياديهم ردّا على السؤال الثاني، ما يقارب الـ 15 شخصًا من مختلف المدارس. لم يكن السؤال – اعتباطيا – برأيي، وإنما كان مقصودًا لإظهار أن مظلة البلدية تشمل هذه المدارس، حتى وإن أصرت هي على تسمية نفسها “مدارس خاصة”، فهي انزلقت لتصبح تحت مظلة بلدية الاحتلال، وبالتي أصبحت أضعف وأوهن للخضوع لشروطها.

بعد أن فرح بالعدد القليل ( 15 من أصل 100 مدرسة تقريبا – هذا العدّ بناء على من رفع يده فعليًا)، تحدث نير بركات في مداخلته عن البرامج المميزة والحديثة التي تم إدخالها إلى مدارس شرقي القدس من قبل البلدية. لم يتحدث بركات بشكل مباشر عن “المنهاج الإسرائيلي” إلا في مرات قليلة، ولكنه تلاعب في الكلمات، واستخدم مصطلح “محتوى تعليمي ذا جودة”، وكان يلمح من خلاله – بلا أدنى شك – أن المنهاج الإسرائيلي أحسن وأفضل من الناحية التعليمية من المنهاج الفلسطيني، وأن هذا أحد الأسباب المقنعة للتحول إليه.

كان يردد بركات عبارات مثل “الأهالي يعرفون مصلحة أبنائهم.. الأهالي سيذهبون في النهاية للمدارس التي تتنبى نماذج حديثة في التعليم،، من لا يفعل ذلك سيبقى في الخلف.. نحن – لا سمح الله – لا نفرض أي شيء كما يقولون – ولكننا نعطي هذه الإمكانية لمن يريد”.

بعد أن أنهى بركات هذا التقديم السريع حول خطط البلدية في “إدخال محتويات تعليمية ذات جودة” ويقصد هنا المنهاج الإسرائيلي، قال: “فعلنا ذلك بشكل أساسي في المدارس الرسمية.. والآن نحن ندرس ظروف المدارس المعترف بها غير الرسمية”، ويقصد بذلك بطبيعة الحال أننا يجب أن ندرس في الأيام القادمة كيف سندخل “هذا المحتوى التعليمي الحديث” إلى المدارس المعترف بها غير الرسمية”.

وفي استعراض مبتذل يكمل بركات حديثه: “أتعرفون لماذا هذا مهم بالنسبة لنا؟ لأن كل أبناء القدس هم أبناؤنا..إذا اختار أحد الأطفال أن يدرس في مدرسة معترف بها غير رسمية، علينا أن نساعده.. والتجربة التي تعلمناها في المدارس الرسمية.. نريد أن نفيد بها المدارس المعترف بها غير الرسمية..”. وفي نهاية هذا المقطع من حديثه حثّ بركات مدراء المدارس المعترف بها غير الرسمية بأن يعقدوا شراكات مع مؤسسات إسرائيلية، مثلهم مثل المدارس البلدية، وذلك مثل الأكاديميات والكليات والمتاحف الإسرائيلية.  ملخص الخطاب، والمعنى المستدل من حديثه “الحذر”، أن المدارس “الخاصة” سابقا- المعترف بها غير الرسمية “في جيبتنا”، لا سبب أن تشملها أموالنا وتمويلنا فقط دون أن تشملها تدخلاتنا وبرامجنا وتوصياتنا..وهي سيان مثلها مثل المدارس البلدية.

هذه كانت رسالة رئيس بلدية الاحتلال، أما على صعيد المجتمع المقدسي، فرغم الاستنكار الشديد لموجات الحج هذه إلى وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال من أجل الاعتراف والتمويل، ورغم أن البعض وضع نفسه في هذا الفخ بدون ضغط يذكر، يجب أن لا يترك مدراء المدارس والهيئات الإدارية لوحدهم في الساحة، ويجب أن تكون هناك مرجعية تعليمية وطنية واضحة، تعمل على إيجاد البدائل، وتكون مظلة تعليمية تمارس كذلك دورًا رقابيًا.

في الختام، ليس القصد من هذا المقال جلد هذه المدارس، وبعضهم أبدى اعتراضه على التدخلات الإسرائيلية وذلك في جلسات النقاش المغلقة التي عقدت في نهاية هذا اليوم الدراسي، وبعضهم يحرص على علاقة حذرة مع بلدية الاحتلال. وإنما القصد أن أقول ببساطة: “لا يمكن أن نضحك على أنفسنا، وننتظر منهم تمويًلا، ومن ثم نطالب بعدم التدخل”. التحليل الماركسي هنا يفيدنا أكثر من خطابات القانون الدولي الرنانة، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع على المدى البعيد.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s